ويعدّ التّقديم والتّأخير من مصادر الّلبس الكبرى، فالأصل فيه عدم الّلبس؛ لذلك كان من وصايا النقّاد للكتّاب أَنْ يتجنّبوا ما يكسب الكلام تعمية، فيرتّبوا ألفاظهم ترتيبًا صحيحًا، ولا يكرهوا الألفاظ على اغتصاب الأماكن [1] ؛ أمّا إذا خيفَ الّلبس وهدّد القصد وأمكن للسّامع أَنْ يحمل الخطاب على غير المراد، فينتقض العهد وينحلّ العقد وتتبدّل القضيّة والحكم، فلا مناص من إيفاء الّلغة أقدارها وإحلال الكلمات محالّها [2] ، يقول جبر ضومط: «فإذا راعيتَ هذه الأغراض: المحافظة على حسن الرصف والفاصلة، فقدِّمْ ما شئت وأخِّرْ ما شئت، على شرط ألاّ يقعَ التباسٌ في الجملة... ولذلك لا يصحّ في جملة (لو اشتريت لك بدرهم لحمًا تأكلينه) تأخير الجار والمجرور الأول، وتقديم الثاني عليه، ولا في جملة: {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [3] أنْ تؤخّر المجرور أصلًا؛ لأنّ التأخير يؤدّي في الحالين إلى الالتباس» [4] .
(1) الجاحظ، أبو عثمان، البيان والتّبيين، تحـ. عبد السّلام هارون، ج1، ط5، مكتبة الخانجيّ، القاهرة، 1405هـ-1985م، ص138.
(2) صمود، حمادي، التفكير البلاغيّ عند العرب أسسه وتطوّره إلى القرن السادس الهجريّ، منشورات الجامعة التّونسيّة، تونس، 1981م، ص516-517.
(3) سورة يس، الآية 19.
(4) ضومط، جبر، الخواطر الحسان، ص65.