فالتّقديم قد يكون دافعًا للّبس أو جالبًا له حسب المباحث، ومثال تأخير الجار والمجرور الممتنع بسبب اللّبس قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [1] ؛ إذ جعلوها مثالًا على أنّ تأخير الجار والمجرور يخلّ بالمعنى، يقول الزّركشيّ: «فإنّه لو أخّر"من آل فرعون"، لما فُهِمَ أنّه منهم» [2] ؛ وذلك لأنّ في التأخير خيفة أنْ يلتبس المعنى بغيره، فالرجل المقصود بالآية الكريمة هو من آل فرعون [3] ، وقيل: كان ابن عم فرعون، وكان قبطيًّا [4] ؛ وعليه فإنّ"من آل فرعون"متعلّق بصفة محذوفة من رجل، وقال السدّيّ: كان هذا الرّجل إسرائيليًّا يكتمُ إيمانَه من آل فرعون [5] ، ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير:"وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون"؛ فَمَنْ جعل الرجلَ قبطيًّا، فـ"من"عنده متعلّقة بمحذوف صفة لرجل، والتقدير: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون؛ أي من أهله وأقاربه، ومَنْ جعله إسرائيليًّا فـ"من"متعلّقة بـ"يكتم"، في موضع المفعول الثاني له [6] ،
(1) سورة غافر، الآية 28.
(2) الزّركشيّ، بدر الدّين محمّد، البرهان في علوم القرآن، ج3، ص233.
(3) القاسميّ، محمّد جمال الدِّين، تفسير القاسميّ المُسَمَّى محاسن التّأويل، ضبطه وصحّحه محمّد باسل عيون السود، ج8،ط1، دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، 1418هـ-1997م، ص29.
(4) الشّوكانيّ، محمّد بن عليّ، فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير، ضبطه وصحّحه أحمد عبد السّلام، ج4، ط1، دار الكتب العلميّة، بيروت-لبنان، 1415هـ-1994م، ص610.
(5) أبو حيّان، أثير الدين، البحر المحيط، ج9، ص251.
(6) القرطبيّ، أبو عبد الله، الجامع لأحكام القرآن، ج15، ص306-307..