ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ النّاظرَ في كتب إعراب القرآن وكتب التّفسير، يلحظ كثرة اختلاف النّحويّين في إعراب القرآن، وتعدّد المعاني النّاتجة عن تلك الاختلافات وتنوعها، وقد أرجع الأستاذ عضيمة ذلك إلى أمرين: «1ـ أسلوب القرآن معجز، لا يستطيع أحدٌ أن يحيط بكلّ مراميه ومقاصده، فاحتمل كثيرًا من المعاني وكثيرًا من الوجوه. 2ـ يحتفظ النّحويّون لأنفسهم بحريّة الرّأي وانطلاق الفكر، فلا يعرفون الحجر على الآراء، ولا تقديس رأي الفرد، مهما علت منزلته» [1] ؛ وهذا يعني أنّ اختلاف النَّحْويّين في إعراب آيةٍ ما، ينعكس على اختلاف في فهم معناها واكتشافه ومِنْ ثَمَّ إدراكه، ممّا يستوجبُ توفّر القدرة اللغويّة لدى المفسّر في هذا الحقل من علوم اللغة، ولا سيّما أنّ مساحة هذا المجال في القرآن الكريم واسعة وذات أثر مهمّ.
ومِنَ الملحِّ ذكرُهُ في هذا المقام، أنّ هذه المعاني التي تتعددّ وجوهها الدّلاليّة بتعددّ وجوهها الإعرابيّة، تتمخّضُ عنها وجوه متعدّدة في فهم الآية القرآنيّة الواحدة؛ فمنها ما يؤدّي إلى قوةٍ أو ضعفٍ في إظهار الدّلالة أو إبراز المعنى، ومنها ما يؤدّي إلى اختلافٍ في الأحكام الفقهيّة للدِّين التي سنّها اللهُ- تعالى- للخَلْقِ في كتابه الكريم؛ وذلك يعود إلى أسباب عديدة لا يمكنُ حصرُها جميعِها في هذا البحث، وسأتناول منها ما يلي:
القرينة المعنويّة:
(1) عضيمة، محمّد عبد الخالق، دراسات لأسلوب القرآن الكريم، القسم الأول، ج1، دار الحديث، القاهرة، د.ت، ص14.