لقد أبرز المعطى الطبيعي ليثرب أنها حاضرة مأهولة، تعج بالحركة الاقتصادية والاجتماعية، وتتوافر فيها كل مقومات الحياة، إلاَّ أن هيمنة البيئة الجاهلية على مشاعر العربي وأفكاره، جعلته ينصرف تحت هذا التأثير إلى حياة تتسق مع ما تفرضه عليه هذه البيئة": فالمكان الذي لا يتيح أي شيء إلاَّ بالقوة" [1] قاد الشاعر الجاهلي إلى اكتشاف مؤداه أن للمكان وجهين: وجهًا جذابًا، وآخر مخيفًا، كما أدرك أنه من المكان تأتي مفاجآت السقوط، من هنا كان هاجس الشاعر الجاهلي كيف يجعل من المكان ملجأً [2] ، إنه البحث عن الاستقرار والحياة الحضرية التي قوامها العمران من ( قصور وحصون وآطام ) وهكذا تطورت صورة المكان في الشعر العربي، بتطور تجلّياته، ولعل نظرة متفحصة لصورة المكان في النص الشعري الجاهلي، تقودنا إلى حقيقة تقول:" (إن الصورة المكانية تتطور بتطور المكان نفسه حيث التقدم الحضاري الذي يشهده من جهة، والوعي الاجتماعي للمعطى الحضاري من جهة أخرى" [3] باختصار إن الشعر لم يكن منعزلًا عن البيئة المحيطة به، فقد استطاع الشاعر منذ القدم أن يستلهم من العمران مادة لشعره يتغنى بها. وقد امتازت يثرب بميزات ضمنت لها التفوق العمراني على ما حولها من حواضر الحجاز، فإلى جانب القصور(بيوت السادة) فقد اشتهرت ببناء (الحصون والآطام أو الآجام) التي غدت مَعْلمًا عمرانيًا جديدًا كاد ينافس القصور، وأحيانًا يفوقها، نظرًا لاستخدامها في أغراض شتى. وتدلل كلمات إسرائيل ولفنسون على مدى الأهمية التي كانت للآطام في يثرب فيقول"وكان يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدو، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة، حين يذهب الرجال لمقاتلة الأعداء، وقد كانت الآطام تستعمل كالمخازن تجمع فيها الغلال والثمار..."
(1) المرجع نفسه, ص 15.
(2) المرجع نفسه, ص ذاتها.
(3) مكة وتجليات المكان في الشعر العربي, د. وليد مشوّح, ص 61.