ولا يستطيع الإيمان بمعنى الحياة ، أن يعيش في مثل هذه البنى الاجتماعية ، إلا لدى الجماعات التي حافظت على هويتها وثقافتها القديمة ، أو لدى بعض الأفراد ممن تغمرهم روح البطولة . أما الغالبية العظمى من هذا المجتمع ، فقد مات الله عندها ، لأن الإنسان فيه ، قد بتر عن بعده الرباني ، وهو البحث عن معنى الحياة .
وهكذا أصبح المكان خاليا ليحل فيه تشرذم الطوائف ، والخرافات ، وتسرب المخدرات ، وسموم الشاشة الصغيرة ، كل ذلك تحت غطاء طهرية رسمية ، ترضى بكل أنواع التمييز ، وتبرر كل المجازر .
إن أول مراقب نافذ البصر لواقع الولايات المتحدة كان توكفيل الذي كشف عام 1840 في كتابة"الديمقراطية في أمريكا"، حتمية آلية بناء الدولة قائلا:"إني لا أعرف شعبا يحتل فيه حب المال حيزا كبيرا من قلوب الناس أكثر من هذا الشعب ، شعب يشكل تجمعا من المغامرين والمضاربين". وما زلنا اليوم ، قادرين أن نجد في تاريخهم أسس انحطاط ثقافتهم .
فمن جهة العلاقة بالطبيعة ، لم تأخذ كلمة"الحدود"وعلى مدى قرن كامل ، نفس المعنى الجغرافي الذي أخذته في أوروبا . كان الحيز المكاني بالنسبة لهم امتدادا مفتوحا ، وبقي كذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر ، حيث بلغ التوسع مداه بالوصول إلى المحيط الهادئ . عندها فقط أعلن عن"ترسيم الحدود". كان هذا الفضاء الجغرافي مفتوحا لكل أنواع السلب ، وأشكال الإبادة: إبادة الغابات ، وحيوان البيزون"البقر الأمريكي"، وكذلك التنقيب المحموم في مناجم الذهب والفضة .
أما العلاقة مع البشر الآخرين فكانت ذات طبيعة خاصة: في البداية كان اصطياد الهنود للاستيلاء على أراضيهم ، دون أن يترك لهم خيار ، غير خيار التصفية العرقية أو التصفية في"المحميات". وبعد ذلك ، ساد بين البيض أنفسهم قانون الغاب ، لاقتسام ثروات الهنود المسروقة ، وأراضيهم ، أو الذهب المأمول استخراجه .