الصفحة 20 من 216

لكي نفهم لماذا نعتبر انتشار طراز الحياة الأمريكية"واوهامها"، أحد الأسباب الحقيقية لتفكك الأخلاق وانحدار الفنون في يومنا هذا ، نجد من الضروري أن نضع هذه المشكلة ضمن منظور التاريخ الأمريكي ، لأن انحطاط الثقافة الذي يلعب دورا منظما في حياة المجتمع الأمريكي ، إنما ينحدر من طبيعة تاريخ الولايات المتحدة .

لعبت الثقافة والايديولوجيات في أوروبا دوما ، دورا هاما في الحياة السياسية ، كما جرى على سبيل المثال ، في أوروبا المسيحية ، وفي عصر التنوير، وفي عصر الثورة الفرنسية ، وفي عقود القوميات ، والماركسية وثورة أكتوبر .

أما في أمريكا ، فخارجا عن الهنود ، السكان الأصليين الذين نظمت حضارتهم علاقاتهم الاجتماعية"قبائل الأنكا مثلا"، والذين فقدوا 80 % من عددهم بسبب التصفية العرقية ، ثم همش من بقي منهم ، وزج في"محميات"، فان كل السكان الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم من المهاجرين .

ومهما كانت أصول هؤلاء المهاجرين ، وحضاراتهم الأولى ، فقد جاؤوا إلى أمريكا بحثا عن العمل وكسب المال . وسواء كانوا ايرلنديين أو طليان ، أو عبيدا سودا غربوا عن مواطنهم الأصلية قسرا ، سواء كانوا مكسيكيين أو من بورتوريكو، فقد جاء كل منهم يحمل معه دينه وثقافته . ولأنه لم يكن لدى هؤلاء المهاجرين والمهجرين ديانة أو ثقافة مشتركة ، فقد كانت الرابطة الوحيدة التي تجمعهم ، تشبه ما يربط بين أفراد فريق يعمل في مشروع مشترك.

أما الولايات المتحدة ، فهي تنظيم إنتاجي ، تضبط عمله ، نفس العقلية التكنولوجية والتجارية ، حيث يشترك فيها المنتج والمستهلك ، في غاية واحدة هي النمو الكمي للرفاه . أما الهوية الشخصية ، الثقافية ، والروحية أو الدينية ، فهي مسألة خاصة ، وفردية بشكل حازم ، لا شأن لها في آلية عمل هذا التنظيم ، ولا تتدخل فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت