فإياك إياك أيها المسلم أن تغتر بعزمك على ترك الهوى في رمضان مقاربة الفتنة بعده فإن الهوى مكايد , فكم من صنديد في غبار الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه ، واذكر - حفظك الله - حمزة مع وحشي رضي الله عنهما. من تعود الفتور والكسل أو مال إلى الدعة والراحة فقدْ فقدَ الراحة, وقد قيل في الحكمة: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب .
ولا أدل على ذلك من وصية الباري جل وعلا لنبيه ومصطفاه صلوات الله وسلامه عليه ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ , لأن من كسل لم يؤد حقاَ , ومن ضجر لم يصبر على الحق , والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . وليس في سياط التأديب للنفس أجود من سوط عزم وإلا ونت وأبت , لأن فساد الأمر في التردد ,
إن الحياة الدنيا لا تخلو من عقوبة , ومن عاش لم يخلو من المصيبة , وقلما ينفك عن عجيبة . وإن من أعظم العقوبات عباد الله عدم إحساس المُعاقَب بها , بل وأدهى من ذلك وأمر السرور بما هو عقوبة كالفرح بالتقصير بعد التمام , أو التمكن من الذنوب بعد الإقلاع عنها . ومَن هذه حاله لا يفوز بطاعة ولو غش نفسه بعبادات موسمية ذات خداج لوجد خفيّ العقوبة الرئيس، وهو سلب حلاوة المناجاة أو لذة التعبد , إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من عبَّاد رب الشهور كلها ، بواطنهم كظواهرهم , شوّالهم كرمضانهم ، الناس في غفلاتهم وهم في قطع فلاتهم ، فأخلص لمديم القرع منهم للأبواب أن يلج , لأنهم تغلَّبوا على طباعهم ذات الجوانب الكثيرة , ولذا فليس العجب أن يَغلب الطبع وإنما العجب أن يُغلب .