الفتور بعد رمضان
اعلموا أنما أنتم في هذه الدنيا غرض تتناضل فيه المنايا , مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص , لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى. ولا يعمر معمر منكم يوماَ من عمره إلا بهدم آخر من أجله , ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر , وقد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع ٍ بعد ذهاب أصله .
ألا فلا يستوحشن أحد في طريق الهدى لقلة أهله , فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شباعها قصير وجوعها طويل .
أيها الناس إن شعور المسلم بالاستبشار والغبطة حينما يرى إقبال الناس على الله في رمضان وما يقلبه من بصره هنا وهناك تجاه أوجه البر والإحسان لدى الكثيرين من أهل الإسلام ليأخذ العجب بلبه كل مأخذ ولربما غلب السرور مآقي المترقب فهاتان دمع الفرح والإعجاب لما يرى ويشاهد . إلا أن العيد وما يعقبه ليصدّق ذلك الظن أو يكذب ومن ثم ينكس المعجب وتشخص أحداقه لما يرى من مظاهر التراجع والكسل والفتور , ومن ثم يوقن أنه إنما كان مستسمنًا ذا ورم , وما يشاهده المرء في الأعياد في أقطار شتى من الفرح اللامشروع وتجاوز حدود الاعتدال فيه , على هيئة وصور تنفيان كونهم من الخائفين على رد الأعمال الصالحة , أو من الشاكرين لبلوغ هذا العيد الذي أكرمهم الله به . ومن ثَم فإن الحال على ما ذكر كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا لأن النفس البشرية لو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت المزاحمة بما يسخطه ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) . ولو أنهم أحبوا الطاعة لما تخلوا عنها طرفة عين
اعلموا يرعاكم الله أن من قارب الفتور والكسل بَعُدَ عنه النصب والاجتهاد , ومن ادعى الترويح أو التسرية وُكِلَ إلى نفسه . وإن من أحق الأشياء بالضبط والقهر والأطر على العبادة والاستقامة أطرى هي نفسك التي بين جنبيك .