فالقصد من هذا: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان حريصًا على أن يصل إلى هذه المرتبة، أن يأخذ شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أمره أن يقوم الليل كله، إنما قال: (لو كان يقوم من الليل) ، أي: بعض الليل، فـ عبد الله رضي الله عنه كان لا ينام من الليل إلا قليلًا.
فلا تحرم نفسك أي عمل من أعمال البر، مثل قيام الليل، فقيام الليل عمل مبارك، ولو بركعتين، ولو بالمعوذتين، وحين يصير قيام الليل سجيةً لك، فستطيل قيام الليل دون مشقة، فقد تقرأ في الركعتين ربعًا، وقد تصلي أربع ركعات أو أكثر، حتى يصير أمرًا مألوفًا عندك.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه تمنى أن تظهر نجابة ابنه أمام النبي عليه الصلاة والسلام؛ لعله يظفر بدعوةٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقول عمر رضي الله عنه: (لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا) ، فيه إشارةٌ إلى أن الآباء يحبون لأبنائهم أكثر مما يحبونه لأنفسهم، وهذه مسألة واضحة عند الناس، ومعلوم أن الأب دائمًا يتمنى لابنه الأفضل والأحسن والأجمل.
في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في الحديث الذي أوله: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) ، فمن ضمن هؤلاء الثلاثة: (وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة) ، قديمًا لم يكن هناك سيارات، فالرجل كان يركب فرسًا، وتحيط به قليل من الحمير عند الزفة، فهذا الذي له شارة أي: رجل له مكانه وقدر عند الناس، فقالت الأم: (اللهم اجعل ابني مثل هذا) ، فترك الولد ثديها وقال: (اللهم لا تجعلني مثله) ، ثم أقبل على الثدي يرضع.
قال أبو هريرة: (كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه) ، وضع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه هكذا في فمه ورضع، مع أن الصحابة كانوا يعرفون كيف يرضع الولد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم برغم وضوح الصورة إلا أنه أراد أن يمثلها حتى لو كان أمرًا بدهيًا، فإن هذا يساعد على استحضار المعنى، حتى لو كنت عالمًا.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ أصبعه يمصه كما يمص الصبي، فقالت الأم: (مه) ، أي: ما الذي تقوله يا بني؟ (ثم مروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها ... ) .
إلى آخر الحديث.
فالقصد من هذا الاستطراد: أن هذا الغلام الذي أنطقه الله تبارك وتعالى، علَّم أمه.