النوع الثاني: الخبر المنقول بطريق الآحاد، لكن موضوع الخبر لو وجد حقيقة لتوافرت الدواعي على نقله متواترًا، فلما أخبر به الآحاد دل على عدم صدقه، لأن العادة والعرف بين الناس أن الحوادث العظيمة، والأمور المهمة كأصول الدين لا يتفرد بعلمها ونقلها الآحاد، وكل خبر ينقله الآحاد وهو من الأمور المهمة التي توافرت الدواعي على علمه ونقله متواترًا فهو كذب (26) .
وعملًا بهذه القاعدة أبطل العلماء ما زعمته الشيعة من روايات استدلوا بها على وجوب إمامة علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وإمامة بعض أبنائه من بعده، وحكم العلماء على هذه الروايات بالكذب، لأنها آحاد في موضوع من الموضوعات المهمة التي لا ينفرد بعلمها الآحاد، ولو كانت لما خفيت عن أهل بيعة السقيفة، ولتحدثت به المرأة على مغزلها (27) كما يقولون، ثم إن أمر الولاية مما يتشوف له الناس، ويسألون عنه، بل كان محل نقاش وحوار مع بعض القبائل عند دخولها الإسلام، ثم إن الخبر الذي ترويه الشيعة وهو خبر غدير خم، كان بحضور القسم الأعظم من الصحابة رضوان الله عليهم، وأن رواية الشيعة تفيد أن أمر الولاية لعلي رضي الله عنه كان بمحضر من الصحابة وعلى رؤوس الأشهاد (28) ، ولو كان الأمر كذلك لما جهله أحد منهم، وهذا الموضوع من الموضوعات الأساسية التي بنى عليها الشيعة معتقدهم في الإمامة والأئمة، وما تبعه من قضايا هي من القضايا الأساسية التي وقع فيها الخلاف مع أهل السنة.
والذي يبدو أن الشيعة ناقشت هذه القاعدة وحكموا عليها بالبطلان لأجل إثبات فكرة عندهم، أقاموا عليها مذهبهم، فإن هم أخذوا بالقاعدة فقد أبطلوا الأساس الذي بنيت عليه فكرة الإمامة، ولأبطلوا جميع مواقفهم التي اتخذوها تجاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من المتوقع أن يدافعوا عن روايتهم الباطلة بإبطال هذه القاعدة، وما أورده الشيعة من شبه لنفي هذه القاعدة إنما هي محاولات لتشويش الفكر، ومغالطات فقهية ظنوا أنها من هذه الباب مع أنها ليس كذلك، وقد رد عليها الأئمة من الأصوليين والمحدثين قديمًا وحديثًا (29) .
النوع الثالث: الخبر الذي يروى في وقت قد استقرت فيها الأخبار، فإذا فتشت عنه فلم تجده في بطون الكتب ولا في صدور الرجال علمت أنه موضوع، أو لا أصل له (30) .
هذه القاعدة كما قال الإمام الرازي يعمل بها بعد عصر الصحابة وبعد عهد التدوين، أما الصحابة فيجوز أن يروي أحدهم ما لم يوجد عند غيره (31) . وخالف في هذه القاعدة بعض العلماء كابن دقيق العيد حيث قال: وفيما ذكروه نظر عندي (32) . ووجهة نظره تقوم على أن متابعة جميع المصنفات المكتوبة أمر عسر. وهذا العسر إن كان في زمان