الواحد ورجاله، وإنما كان الأساس الذي بني عليه عدم العمل هو النظر في متنه.
المسألة الثانية خبر الواحد فيما تعم به البلوى:
اشتهر عن الحنفية أنهم لا يعملون بخبر الواحد إذا كان مخالفًا لما تعم به البلوى، فما المقصود بعموم البلوى، ومن يعمل بهذه القاعدة، وما علاقتها بالشروط المتعلقة بالمتن؟.
معنى عموم البلوى: يقول ابن أمير الحاج في بيان عموم البلوى: (أي يحتاج إليه الكل حاجة متأكدة مع كثرة تكرره، فيحتاج الكل إلى معرفته حاجة شديدة) (60) ، فالناس مبتلون بهذا الأمر جميعًا أو أكثرهم، وعامة الناس يحتاجون إلى معرفته لحاجتهم الشديدة في أحوال متكررة، فهو فعل أو حال يكثر تكرره للكل ويحتاجون معرفته (61) .
محل النزاع: المسألة التي هي محل البحث خبر الواحد إن كان قد توافرت في سنده الشروط العامة للقبول، لكن متنه متعلق بموضوع يحتاج إليه الناس حاجة شديدة، أي بموضوع تعم به البلوى عادة، ثم لا يروى هذا الحديث إلا من طريق الآحاد، فهل روايته من طريق الآحاد مع شدة حاجة الناس إليه تعد علامة كافية لرده وعدم قبوله (62) .
رأي الحنفية: نقلت عامة كتب الأصول القول بعدم الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، واختلف في نسبة هذا الرأي، فنُسب لأبي الحسن الكرخي، ونُسب لعيسى بن أبان، ونُسب لعامة الحنفية، ونسب لأصحاب أبي حنيفة (63) .
وما يثبته الجصاص في أصوله أن هذا القول هو مذهب الأصحاب، جاء في أصول الجصاص (وهو عندي مذهب أصحابنا، وعليه تدل أصولهم) (64) .
ومع هذا الاختلاف في نسبة هذا القول، فقد وقع خلاف في تحديد خبر الآحاد المقصود، فبعضهم يرى أن الخبر الذي اشتهر في القرن الثاني بعد رواية واحد من أصحاب القرن الأول يقبل وإن كان مما تعم به البلوى (65) ، في حين يرى آخرون من الحنفية وهو ما تدل عليه عامة عباراتهم أن الخبر إذا كان فيما تعم به البلوى إذا لم يشتهر في جيل الصحابة وروى عن طريق الآحاد ففيه النزاع وتنطبق عليه القاعدة.
ثم وقع خلاف آخر بين الحنفية في الخبر الذي يرد من جهة الحكم المستفاد من الخبر إلى رأيين:
الأول: أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى يرد إذا كان الحكم المستفاد منه في دائرة الوجوب أو الحظر، أما إذا كان في دائرة الإباحة أو الندب أو الكراهة فلا يرد (66) .