القسم الأول: إجماع أهل المدينة النقلي، وهو ضرب من ضروب النقل والحكاية الذي ترويه الكافة عن الكافة من قول أو فعل أو إقرار أو ترك.
القسم الثاني: إجماع أهل المدينة الاجتهادي، وهو ما كان مبنيًا على الاجتهاد والاستنباط والاستدلال (52) .
والقسم الأول- النقلي - هو حجة عند المالكية بلا خلاف كنقلهم تعيين محل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، ومحل وقوفه للصلاة، ونقلهم للأعيان كمقدار المد والصاع.
أما القسم الثاني وهو القائم على الاجتهاد والاستدلال فهو محل النزاع حتى عند المالكية (53) .
فإذا تعارض خبر من أخبار الآحاد مع عمل من أعمال أهل المدينة فأيهما يقدم؟.
عامة كتب الأصول تنسب الرأي للإمام مالك وللمالكية أنهم يقدمون عمل أهل المدينة على خبر الواحد دون تفريق (54) ، وبعضهم أشار إلى التفرقة بين العمل النقلي والعمل الاجتهادي، والواضح أن المالكية يفرقون بين العملين.
يقول الثعالبي في الفكر السامي: وإن تعارض - يعني العمل - مع خبر الواحد فإن كان العمل من طريق النقل .. فالخبر يترك للعمل بلا خلاف عندنا (55) ويعد المالكية أن هذا النوع من العمل له قوة التواتر، ويأخذ حكم رواية التواتر، ومما نقل عنهم قولهم: رواية ألف خير من رواية واحد (56) .
ويحكم المالكية على هذا الخبر بعدم العمل به لأن أهل المدينة أدرى بالسنة والناسخ والمنسوخ، وأن مخالفتهم لخبر الواحد دليل نسخ الخبر، أو يحملون هذا على غلط راوي الخبر، أو غير ذلك مما يجب ترك الخبر لأجله (57) .
يقول القاضي عبد الوهاب المالكي في المعونة: إذا روي خبر من أخبار الآحاد في مقابلة عملهم المتصل وجب اطراحه والمصير إلى عملهم، لأن هذا العمل طريقه طريق النقل المتواتر، فكان إذن أولى من أخبار الآحاد، وذلك مثل ما ذكرنا في نقل الأَوانِ، ووجوب المعاقلة بين الرجل والمرأة) (58) .
أما إذا كان التعارض بين العمل الاجتهادي وخبر الواحد، فالخبر أولى عند جمهور المالكية، وخالف من المالكية من قال: إن الإجماع عن طريق الاجتهاد حجة (59) .
وهكذا نرى أن موضوع الخبر له دور بارز في اختلاف العلماء في هذه المسألة، ذلك أن الموضوع المنقول في خبر الواحد قد عمل أهل المدينة بخلافه، ومن ثم لم نعمل بخبر الواحد، لأن مدلول الخبر عارضه مدلول عمل أهل المدينة دون النظر في سند خبر