الرأيين، وممن توسع في هذه المناقشة الإمام الشاطبي في الاعتصام والموافقات، حيث بين أدلة الفريقين، وذكر أمثلة رد بها على الذين ظنوا التناقض في الشريعة بين القرآن والسنة أو السنة والعقل (40) .
ومع هذا فإن لهذا الشرط دلالة لا بد من إدراكها، ولا بد من وجودها عند التطبيق أيًا كانت نتيجة الخلاف مع المعتزلة ومن سار على منهجهم. فالواقع أن هذا الشرط معمول به، لكن لا بد من التفريق بين ما لا يدركه العقل وما لا يعقل، فالأول واقع وموجود، لان للعقول حدًا تنتهي إليه في قدراتها وتفكيرها، وليس كل ما لا يدركه العقل في زمن يعني أنه باطل وغير موجود، أو غير صحيح، يقول الشاطبي: إن الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب (41) . أما ما لا يعقل فهو مجال البحث هنا، ويكون الخبر مردودًا، إن كان مما لا يعقل مع عدم قبوله التأويل، لأن الدلالة العقلية غير محتملة للنقيض (42) .
2 -أن لا يخالف نصًا قطعيًا لا يمكن الجمع بينهما بحال:
إذا خالف خبر الواحد نصًا قطعيًا، قدم النص القطعي بلا خلاف (43) ، هذا إذا تحقق التعارض بينهما، وتوافرت شروطه، لأن القطعي مقدم على الظني مطلقًا، إلا إذا كان زمان ورود القطعي متأخرًا عن خبر الآحاد، فإن القطعي ينسخ الآحاد (44) . أو إذا أمكن الجمع بين القطعي والآحاد بوجه من وجوه الجمع المعتبرة فإنا نعمل بالدليلين معًا، وذلك كأن يكون خبر الآحاد مبينًا لمجمل قطعي، كحديث رسول الله صلى عليه وسلم الذي يرويه الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام) (45) فإن الجمهور يقولون إن هذا الحديث مبين لمجمل قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (46) وهذه الآية أمرت بالطواف ولم تنص على الوضوء والحديث اشترط الوضوء في الطواف، لأنه ذكر أن الطواف صلاة، والصلاة يشترط فيها الوضوء (47) .
3 -أن لا يكون مخالفًا لإجماع الأمة والصحابة:
فإن كان كذلك، فهو إما غلط من الراوي، أو منسوخ في حكمه (48) ، لأن إجماع الأمة على حكم شرعي هو إجماع على دليل هذا الحكم، والإجماع يفيد القطع، وخبر الواحد ظني، فيقدم القطعي على الظني.
الشروط المختلف فيها:
اختلف العلماء في مسائل تناولها الأصوليون شرحًا وتحليلًا، وعامة كتب الأصول تذكرها، وهذه المسائل جعلتها تحت هذا العنوان، لأنها في حقيقتها شروط اشترطها بعض الأصوليين لقبول خبر الواحد، فهي شروط للعمل بخبر الواحد وهي مختلف فيها،