أعلوه، حتى إنه لم ينتبه إلى دقة الإمام مسلم في بيانه لها من خلال ذكر الروايات المختلفة على نافع في أواخر الباب. وبالتالي ذهب إلى القول بصحتها، مع وجود انقطاع في الرواية الأخيرة، لا لأنه اكتشف ما لم يستطع اكتشافه أمثال البخاري والنسائي والدارقطني من عباقرة النقد وأساطين الحديث في عصورهم الذهبية، وإنما بناء على أن الحديث روي في صحيح مسلم، وأن رواته أئمة ثقات، ولم يستطع الأستاذ حتى الآن أن يضيف إلى ذلك شيئا جديدا من العلم ولا دليلا مقبولا من الأدلة.
لما وقف الأستاذ على ما شرحت له من الحقائق التي تكمن في حديث ابن عمر، وأن الإمام مسلما لم يورده في صحيحه من أجل اعتماده ولا تصحيحه، وإنما لبيان الاختلاف فيه، صعق بأخطائه العلمية التي وقعت منه حين صحح تلك الروايات مخالفا لأولئك النقاد، وقد كان يتخيل أن نتائج بحثه ودراسته في كتابه (بين الإمامين) إبداع نادر في مجال الأبحاث العلمية الأكاديمية، [1] .
بما أن الدكتور ربيع الذي كان رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة آنذاك لم يعجبه ذلك مني، ولم يكن مستعدا لتصحيح أخطائه العلمية، ربما لأني طالب غريب عن البلد أصغر منه يدرس في عقر داره، أخذ يقلب الحقائق رأسا على عقب؛ فاتهمني مباشرة - وكان ذلك سهلا عليه - بأني ضعفت من صحيح مسلم حديثين، وضيعت جزءا من السنة [2] . وكانت مهارته في توهيم القارئ بصواب ما يدعيه لافتة للانتباه، ثم استخدم لسانه وقلمه للإساءة إلي، ولم يكتف بذلك، بل أرسل بخفية رسالة مغرضة [3] إلى مدير جامعة أم القرى يتهمني فيها بالانحراف ثقافيا وعقديا، حاثا له على فصلي من الجامعة، لكن الله تعالى حفظني من شرور ذلك الصنيع الذي يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
''أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر''. [4]
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
لقد حاول الدكتور ربيع في كتابه (التنكيل) المليء بظلمات الأكاذيب والأباطيل، أن ينكر اتفاق النقاد على تضعيف حديث ابن عمر، بعد أن اعترف به في كتابه (بين الإمامين) ، لكي يتهمني بتضعيف
(1) - يقول الأستاذ: ''وأستغفر الله لقد ألجأتني أن أقول إن كتاب (بين الإمامين) قد حظي بالتقدير والاحترام في الأوساط العلمية، مع أني ما كنت أنتظر من أحد ذلك، وإنما أنتظر ما ينتظره كل مسلم .. '' (ص: 159 منهج سلم)
(2) - كان الأستاذ يحاول أن يوهم القارئ في جميع حواراته أنني أضعف حديثا رواه مسلم في صحيحه بأقوى الطرق وأصحها، وأنني أنتهج فيه منهجا جديدا يؤدي إلى تضعيف كل ما أورده مسلم في آخر الباب من الأحاديث والروايات.
أقول: إن الذين أعلوا ذلك الحديث هم هؤلاء الأئمة: البخاري والنسائي والدارقطني، وقد صرح بذلك الأستاذ نفسه قبل الحوار في كتابه (بين الإمامين، ص: 346، وص: 343 الطبعة الهندية) ، وبعد الحوار أصبح الذي ضعفه هو هذا العبد الضعيف.
(3) - سيأتي ذكر محتوى هذه الرسالة - إن شاء الله تعالى - في الحقيقة الثالثة.
(4) - صحيح مسلم في الإيمان، باب بيان خصال المنافق 1/ 98 (شرح النووي)