الصفحة 29 من 454

أخيرا أختتم هذه المقدمة بنصين لإمامين جليلين؛ وهما ابن قتيبة وابن القيم. أما الإمام ابن قتيبة فقد قال: [1]

''وسيوافق قولي هذا من الناس ثلاثة:

رجلا منقادا سمع قوما يقولون، فقال كما قالوا، فهو لا يرعوي ولا يرجع؛ لأنه لم يعتقد الأمر بنظر فيرجع عنه بنظر.

ورجلا تطمح به عزة الرياسة وطاعة الإخوان وحب الشهرة، فليس يرد عزته ولا يثني عنانه إلا الذي خلقه إن شاء؛ لأن في رجوعه إقراره بالغلط واعترافه بالجهل، وتأبى عليه الأنفة.

وفي ذلك - أيضا - تشتت جمع وانقطاع نظام واختلاف إخوان عقدتهم له النحلة، والنفوس لا تطيب بذلك إلا من عصمه الله ونجاه.

ورجلا مسترشدا يريد الله بعلمه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تدخله من مفارق وحشة، ولا تَلفِته عن الحق أَنَفَة، فإلى هذا بالقول قصدناه وإياه أردنا''.

وأما ابن القيم فقد قال في مفتاح دار السعادة [2] :

''فهذا مضمون هذه التحفة، وهذه عرائس معانيها الآن تجلى عليك، وخُود أبكارها البديعة الجمال ترفل في حللها وهي تزف إليك، فإما شمس منازلها بسعد الأسعد، وإما خود تُزف إلى ضرير مُقعد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها فيما شئت من المنزلتين، ولا بد لكل نعمة من حاسد، ولكل حق من جاحد ومعاند.

هذا، وإن ما أودع من المعاني والنفائس رهن عند متأمله ومطالعه، له غُنمه وعلى مؤلفه غُرمه، وله ثمرته ومنفعته، ولصاحبه كدره ومشقته مع تعرضه لمطاعن الطاعنين، ولاعتراض المناقشين.

وهذه بضاعته المزجاة، وعقله المكدود، يُعرض على عقول العالمين، وإلقاؤه نفسه وعرضه بين مخالب الحاسدين، وأنياب البغاة المعتدين.

فلك أيها القارئ صفوه، ولمؤلفه كدره، وهو الذي تجشم غراسه وتعبه، ولك ثمره، وها هو قد استهدف لسهام الراشقين، واستعذر إلى الله من الزلل، والخطأ، ثم إلى عباده المؤمنين.

اللهم فعياذا ممن قصُر في العلم والدين باعه، وطالت في الجهل وأذى عبادك ذراعه، فهو لجهله يرى الإحسان إساءة، والسنة بدعة، والعرف نكرا، ولظلمه يجزي بالحسنة سيئة كاملة، وبالسيئة الواحدة عشرا، قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته، أو حالف هواه ....

(1) - كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية، ص: 13 (دار الكتب العلمية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت