''ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث، حديث ابن عباس أكملها، لأنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغا، ثم حديث جابر لأن أبا الزبير قال: أحسب جابرا رفعه، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعا''.
إن هذه النصوص واضحة بدلالتها على أن الإمام النووي يرى الإمام مسلما يرتب الأحاديث حسب الخصائص الإسنادية والحديثية، إذ بين الترتيب، لكن ليس بتقديم رجال أهل الطبقة الأولى على الطبقة الثانية، وإنما بتقديم الحديث حسب الشهرة وجودة المتن.
أما في النص الأول فلشهرة رواية الأعمش عن أبي حازم، حين قال:
''فرواه أولا من رواية الأكثرين عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة، ثم رواه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي يحيى مولى آل جعدة عن أبي هريرة''.
وأما النص الثاني فأوضح سبب الترتيب أن متن الحديث الأول أكمل وأجود من الحديث الثاني؛ إذ تضمن ذكر المواقيت الأربعة، والحديث الثاني الذي أخره مسلم أنقص، إلى جانب كون جابر لم يجزم برفعه.
خامسا: قال المعلمي: ''من عادة مسلم في صحيحه أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة, يقدم الأصح فالأصح, فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمال أو خطأ فتبينه الرواية المقدمة'' [1]
سادسا: كان النقاد على المنهج نفسه في الترجيح؛ كانوا يرجحون الحديث لكونه أسلم من العيوب من غيره، فقد يكون الحديث الراجح من طريق راو قال فيه الحافظ ابن حجر - مثلا-: صدوق يخطئ، والثاني من طريق راو قال فيه الحافظ- مثلا: ثقة.
ومن أمثلة ذلك ترجيح الإمام الدارقطني:
سئل الإمام عن حديث عثمان بن عفان عن عمر بن خطاب عن النبي
صلى الله عليه وسلم ''إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم النار لا إله إلا الله''، فقال:
''هو حديث يرويه قتادة واختلف عنه؛ فرواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن مسلم بن يسار عن حمران عن عثمان عن عمر. قال ذلك عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن سعيد.
وخالفه خالد بن الحارث عن سعيد؛ فرواه عنه عن قتادة عن حمران، وكذلك رواه أيوب أبو العلاء عن قتادة عن حمران، وحديث عبد الوهاب بن عطاء أحسنها إسنادا وأشبه بالصواب '' [2] .
وكان هذا الترجيح على حديث خالد بن الحارث وأيوب أبي العلاء.
(1) - الأنوار الكاشفة ص 230
(2) - علل الدارقطني 2/ 7