بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول، فأقتصر على ذلك. ولامه أيضا على التخريج عن سويد، فقال: من أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة بعلو؟!! [1] .
يعني بذلك أن الإمام مسلما اختار حديث أسباط وقطن وأحمد بن عيسى وسويد مع كونهم ضعفاء على رواية الثقات لسبب علو رواية هؤلاء ونزول رواية أولئك. فالعلو يعده مسلم من معايير التقديم والترجيح.
ثانيا: كان مسلم يقدم من الأخبار الصحيحة ما هو أسلم من العيوب من غيره. يقول مسلم في التمييز [2] :
''رواية بشير بن يسار أصح الروايتين''
وأعاده بقوله:
'' وحديث بشير بن يسار في القسامة أقوى الأحاديث وأصحها''. يعني من رواية أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة.
ثم رأينا الإمام مسلما في صحيحه قد طبق ذلك؛ حين أورد حديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، وصدر به الباب، ثم ذكر حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، وختم الباب بحديث أبي ليلى عن سهل بن حثمة الأنصاري [3] .
ومن أمعن النظر في هذه الروايات علم أن هذا الترتيب والتقديم والتأخير ليس بناء على مراتب الرواة وطبقاتهم التي لخصها الحافظ ابن حجر في التقريب، وإنما لكون الحديث أكثر سلامة من العيوب؛ كالشذوذ والعلة [4] .
والجدير بالذكر أن بشير بن يسار وأبا ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن ثقتان.
ثالثا: كان يقدم من الأخبار الصحيحة ما كان متنه أجود وأكمل. مثاله:
(2) - ص: 146
(3) - كتاب القسامة والمحاربين .. ، باب القسامة 11/ 151 (شرح النووي)
(4) - قال الإمام مسلم في التمييز (ص: 144 - 146) عن حديث سعيد بن عبيد: ''هذا خبر لم يحفظه سعيد بن عبيد على صحته، ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهته ''.
وقال أيضا: بعد أن ساق جميع ما رواه مسلم هنا في صحيحه من الروايات عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار وغيرها:
'' وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البينة، إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر فلم يذكره، وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقتضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة''.
وبعد أن رأينا قول الإمام مسلم نفسه يمكن القول بأنه أخر حديث سعيد بن عبيد لهذه العلة التي بينها. فروى من حديثه ما وافقه فيه غيره، أما حديث أبي ليلى الذي ختم به مسلم فقد صرح بـ ''أن رواية بشير أصح الروايتين'' يعني رواية بشير ورواية أبي ليلى.