الصفحة 18 من 454

وليس من الصعب أن نفهم من نص الإمام مسلم أن التقديم الذي يريده في صحيحه إنما هو عند جمعه لروايات القسم الأول أو لأحاديثهم في موضوع واحد أو باب واحد، وأن هذا التقديم ليس فقط بترجيح حديث الأوثق على من هو دونه، بغض النظر عن شروط أخرى أو جوانب علمية أخرى من شأنها أن تجعل الحديث أكثر بعدا عن العيوب من غيره؛ إذ لم يقل مسلم إنه يتوخى أن يقدم أخبار الثقات، بل قال: ''نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى''. بذلك يتبين أن معيار تقديم حديث على حديث عند الإمام مسلم هو أن يكون أسلم من العيوب وأنقى.

ومن تدبر أسلوب المحدثين النقاد في الترجيح وجدهم لم يتقيدوا بأحوال الرواة ومراتبهم، بل وجدهم يرجحون حسب ما يستكمل الحديث من خصائص الإسناد والمتن ما يجعله أسلم من العيوب وأنقى. ومن هذه الخصائص ما يرجع إلى حال الراوي، ومنها ما يرجع إلى تركيبة الإسناد؛ كالعلو والتسلسل، ومنها ما يرجع إلى شهرة الرواية، ومنها ما يرجع إلى طبيعة المتون؛ كأن يكون أتم وأكمل وأبعد عن الغموض والاختلاف.

أما الترجيح بين الرواية الصحيحة والرواية الضعيفة فلا إشكال لأحد في تقديم الصحيحة وترجيحها. لكن إذا وقع خلل في تصور الباحث حول مفهوم الصحيح والضعيف، واعتبر ما رواه الثقة صحيحا وما رواه الضعيف ضعيفا، ثم يرجح بناء على ذلك ما رواه الثقة على ما رواه الضعيف أو الصدوق، فإنه يكون بذلك بعيدا عن منهج المحدثين.

ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون راوي الحديث ثقة أن يكون الحديث صحيحا، كما لا يعني ما رواه الضعيف ضعيفا.

يقول الحافظ ابن حجر [1] : ''لا يلزم من كون الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن المروي به أصح من المتن المروي بالإسناد المرجوح، لاحتمال انتفاء العلة عن الثاني ووجودها في الأول، أو كثرة المتابعات وتوافرها على الثاني دون الأول ''.

ويقول المعلمي [2] : ''أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم''.

وفيما يأتي ذكر نماذج من نصوص النقاد للبرهنة على أنهم في الترجيح يعتمدون على كون الحديث أكثر استيفاء لخصائص الإسناد والمتن دون إهمال أحوال الرواة ومراتبهم.

أولا: كان مسلم يقدم من الأخبار الصحيحة ما هو أعلى من غيره حتى وإن كان في سنده راو ضعيف.

جاء في تدريب الراوي أن أبا زرعة أنكر على مسلم روايته عن أسباط بن نصر وقطن وأحمد بن عيسى المصري، فقال: إنما أدخلت من حديثهم ما رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلي عنهم

(1) - النكت 1/ 247 - 248

(2) - التنكيل 2/ 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت