الأغلب. كما أنه يرتب بين رواية الثقات وبين رواية الضعفاء التي قد يذكرها مسلم متابعة أو شاهدا بتقديم الأولى على الثانية [1] .
وإلا، فما معنى التقديم في قوله ''إنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي ينقلها أهل استقامة في الحديث؟! ولم يقل: نذكر الأخبار.
وأين يقدم إذن؟!
وعلى ماذا يقدم؟!
وهل يعتبر مجرد الذكر تقديما؟!
إن الناظر في كلام الإمام مسلم يلمح هذا النوع من الترتيب بجلاء [2] .
وأما قول الإمام مسلم ''من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا'' فلم يكن إلا قيدا أغلبيا، إذ الحديث أو الرواية لا تكون أسلم من العيوب بمجرد كون راويها ثقة أو أوثق. ذلك لأنه إذا روى الأوثق حديثا كان أكثر سلامة من عيب واحد فقط، وهو ضعف الراوي، لكن قال مسلم هنا بلفظ الجمع ليشمل الانقطاع والشذوذ والعلة وضعف الراوي.
إذن، لا بد من النظر في مدى سلامة الحديث من احتمال الانقطاع والشذوذ والعلة حتى يتبين للناقد أنه أسلم من جميع هذه العيوب وليس مجرد تحقق سلامة منها، وإنما كونه أسلم منها وأبعد وأنقى.
(1) - على هذا يحمل قول ابن الصلاح:''وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبع ذلك بإسناد آخر - أو أسانيد - فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة''.
وكذا ما نسبه الدكتور ربيع إلى الحاكم أنه جعل الترتيب في صحيح مسلم بتقديم أهل الطبقة الأولى على أهل الطبقة الثانية. انظر الصفحات: 109، 115، 119، 122، 124، 189 من كتاب المدخل إلى الصحيح بتحقيق الدكتور ربيع. والغريب أن المعروف عن الحاكم أنه يرى أن الإمام مسلما لم يخرج في صحيحه لأهل الطبقة الثانية!.
(2) - اعترض علي بعض الإخوة بقوله:'' لم يفهم أحد من العلماء السابقين أن وسيلة مسلم في بيان العلل في صحيحه هي التقديم والتأخير، وهذا المسلك هو الذي أشار إليه من ذكرنا قوله!.'' (وهو حمزة المليباري)
ثم أخذ هذا الأخ يحلل مضمون الفقرة بقوله:
'' إن منشأ الخطأ الواقع في الفكرة السابقة هو عدم فهم لقول مسلم في أهل الطبقة الأولى: (فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم .. ) فظن من نقلنا قوله أنه يتوخى تقديم الأخبار في أوائل الأبواب ثم يعرج على ذكر الأخبار المعللة ساكتا عنها!! وكأنه من أهل الباطن .. ''.اهـ من كتاب ''الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث'' للشيخ مشهور ص: 1/ 456.
أقول: إن صاحب هذا التعليق لم يبين للقارئ مقصود الإمام مسلم من التقديم، وأين يقدم، وعلى ماذا يقدم، وكيف يتحقق التقديم، وهل هو مجرد الذكر.
أهكذا ينتقد الباحث كلام الآخرين؟! إذا أنكر شيئا فعليه أن يبين الصواب.
ثم إن قوله ''إن وسيلة بيان العلل بهذا الترتيب'' من أين له؟! ومن قال ذلك؟!.
كل ذلك سطره الأخ الفاضل تقليدا للشيخ ربيع دون تأمل وتدبر لما كتبه في كتابه (منهج مسلم) .