الصفحة 16 من 454

لذا، أحببت أن أركز في هذه المقدمة على إبراز مسألة المقارنة بين الروايات وترجيح ما هو أسلم من العيوب وأنقى، وبيان منهج المحدثين النقاد في ذلك. وقد تناثر الكلام حوله في أثناء الحوار وحسب المناسبة، لكني أجمعه هنا بشيء من التفصيل.

إن الصحيح له شروط: عدالة الراوي واتصال السند وسلامة الحديث من شذوذ وعلة. فحين نرجح بين الروايات الصحيحة التي توافرت فيها هذه الشروط عموما على اختلاف المستويات، ينبغي أن نبحث عن الرواية التي استوفتها بأكمل وجه وأوضح صورة. ويمكن معرفة ذلك من خلال القرائن بالإضافة إلى جوانب أخرى علمية يظنها بعضهم من الكماليات، لكن أثرها بارز في جعل الحديث أسلم من العيوب وأنقى. وهي على سبيل المثال: علو الإسناد، وشهرة الرواية بين الثقات وتسلسلها، وجودة متونها وغير ذلك.

فالحديث الصحيح العالي المسلسل المشهور بين الثقات مع جودة متنه يكون في القمة من الصحة، لكونه أسلم من العيوب، وليس لكون راويه أوثق. وبقدر ما يستوفي الحديث أو الرواية من هذه الجوانب العلمية يتم ترجيحها وتقديمها على غيرها.

إن مسألة المقارنة والترجيح تتوقف على الحفظ والفهم والمعرفة. فمن جعل الحديث أصح بناء على مجرد كون راويه أوثق فإنه يكون قد ضيق واسعا، وخرج من مقتضى تعريف الصحيح، بل انحرف عن منهج القوم انحرافا واضحا.

إن الإمام مسلما بين ذلك في مقدمته بقوله:

''فأما القسم الأول، فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم.

فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم .... ''اهـ.

من أمعن النظر في سياق هذا النص وتدبر كلماته تيقن التزام مسلم نوعين من الترتيب، هما:

1 -الترتيب بين الأخبار الصحيحة التي نقلها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما رووه؛ إذ قال: '' نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها''. وهذا القول مقيد بالقسم الأول من الرواة، و يتمثل هذا الترتيب في تقديم الأصح فالأصح.

2 -والترتيب بين الأخبار الصحيحة التي نقلها أهل الاستقامة وبين الأخبار التي نقلها أهل الدرجة الثانية؛ لأنه قال: ''فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان''. وفي هذا الترتيب تقدم رواية الثقة على رواية الضعيف.

فالإمام مسلم، إذ يجمع بين الروايات الصحيحة التي رواها أهل القسم الأول من الرواة في موطن أو باب أو موضوع، يقدم أسلمها من العيوب من غيرها وأنقى. يعني بذلك أنه يقدم الأصح فالأصح. هذا هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت