''والاحتمالات العقلية المجردة لا مدخل لها في هذا الفن'' [1] .
انطلاقا من هذا الواقع المؤلم، فإن بلورة هذا المنهج العلمي - شرحا وتوضيحا وتطبيقا - أمر يجب على علماء الحديث؛ كل حسب قدرته ودقته واستيعابه، حفاظا على تراثنا العلمي الذي تمخضت عنه جهود علمائنا السابقين في الدفاع عن السنة النبوية الشريفة في جميع مراحلها التاريخية.
الحقيقة الثانية:
مسألة الترجيح بين الروايات، والنظر في أصحها تعد من أهم المسائل التي تخبط فيها الأستاذ في هذا الحوار، ولم ينتبه إلى منهج المحدثين النقاد في ذلك، ولم يميز بين دقة منهجهم وبين منهج الآخرين؛ إذ كان يرجح الرواية أو الحديث بمجرد كون الراوي أوثق أو ثقة، ويقدمها على رواية غيره من صدوق او صدوق يخطئ، معتمدا في ذلك على ما ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب من مراتب الرواة، ثم يزعم أن ذلك هو منهج الإمام مسلم وغيره من المحدثين.
هذه غلطة كبرى تشكل نقطة تباين واضح بين عمل الأستاذ وبين منهج المحدثين النقاد، ومنهم الإمام مسلم؛ إذ كانوا يرجحون من الروايات ما هي أسلم من العيوب وأنقى ويقدمونها على غيرها، بغض النظر عن مرتبة الرواي وظاهر السند، فقد يكون الراوي أوثق الناس، أو ثقة أو صدوقا أو ضعيفا [2] .
لذا، فإن القول في تعريف الشاذ إنه مخالفة الثقة لمن هو أولى بحفظ ذلك الحديث الذي وقع فيه الخلاف يكون أدق من القول بأنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق، إذ الثاني فيه تضييق لمفهوم الشاذ بسبب ربطه بالأوثق. وإن كان الأوثق يقدم على الثقة عند المقارنة بين الرواة، فإنه ليس من الضرورة أن يقدم ما رواه على غيره دائما؛ حيث ينبغي النظر في مدى استيفائه شروط الصحيح، كالاتصال والخلو من الشذوذ والعلة. لذا، تكون المقارنة بين الرواة أمرا، والمقارنة بين الروايات أمرا آخر، بينهما فرق شاسع لا تلازم بينهما. والخلط بينهما هو سبب انزلاق الأستاذ في مجال الترجيح بين الأحاديث.
ومن المؤسف أن الدكتور ربيع لم يشعر بذلك، ولا بخطورته، بل كان يغتر بعمله حتى بلغ به الغرور إلى التجرإ على أن يتهمني بالضلال والإفك والتلاعب والمروق حين شرحت له سبب تقديم مسلم حديثا على حديث، أو رواية على رواية حسب الأصحية وبخلاف ما تقتضيه أحوال الرواة؛ إذ يكون في سند الحديث الأول ثقة تكلموا فيه، وفي سند الحديث الثاني ثقة متفق عليه.
ولا شك أن مسألة الترجيح بين الروايات تكتسي أهمية كبرى عند المحدثين، لا تقل عن أهمية التصحيح والتضعيف والتحسين، نظرا لكونها تشكل المرجعية لحل كثير من الاختلافات في المسائل الفقهية والعقدية والسلوكية.
(1) - فتح الباري 1/ 45
(2) - هذه المسألة شرحناها بشيء من التفصيل في أماكن مختلفة في القسم الثاني من هذا الكتاب.