الصفحة 14 من 454

وإن كانت عباراتهم في ذلك مختلفة ومتفاوتة بسبب تركيزهم على بيان حكم الحديث، أو الإشارة إلى تصحيحه أو تعليله، أكثر من التفصيل في حيثيات الحكم، والتدقيق في التعبير عنها [1] .

أشير هنا على سبيل المثال إلى مسألة التفرد أو مسألة زيادة الثقة؛ فمن استبان سبب ذلك التفرد أو الزيادة في ضوء ما استوعبه من الخلفيات العلمية حول ذلك الحديث الذي وقع التفرد في روايته، أو حول الزيادة التي زادها أحد رواته دون الآخرين، حكم بما يقتضيه ذلك السبب، لكن قد يستحضر بعضهم السبب، ولا يستحضره الآخرون، وبالتالي يعل بعضهم ما صححه غيره من الحديث الغريب أو زيادة الثقة قائلا بأن زيادة الثقة مقبولة أو إن الراوي ثقة أو غير ذلك. [2]

وهذا لا يعني أبدا أنهم مختلفون في منهج التصحيح والتعليل فيما يخص زيادة الثقة، أو فيما تفرد به، وإنما اختلفوا في الحكم بسبب تفاوتهم في استيفاء المعلومات الضرورية حول ملابسات رواية ذلك الحديث، كما لا يعني أنهم مختلفون في قبول الزيادة والتفرد منهجا.

وأما دراسات المعاصرين وتحقيقاتهم، فإذا أمعنت النظر في طريقة دراستهم للأحاديث وجدت أكثرهم يتخبطون في فهم نصوص النقاد ومصطلحاتهم في النقد، بل يفهمون منها شيئا لم يكن مقصودهم أصلا، لا سيما مصطلح (هذا حديث تفرد به فلان) ، أو (لا يعرف إلا من هذا الوجه) ، ثم يردونه عليهم بقولهم (كلا، وجدت له متابعات وشواهد، ويرتقي بها الحديث إلى الصحة أو الحسن) .

بل، نجد بعض المعاصرين المتخصصين في الحديث يعترض على الأئمة النقدة في نقدهم، ويقول بجرأة: (هذا خطأ منهم) ، أو (هذا وهم منهم) ، أو (لا نسلم لهم هذا) ، أو (ما هكذا تعل الأحاديث يا ابن المديني؟!) أو (لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري لما تجاوزوا النتائج التي وصلت إليها) أو (لم يتقن الدارقطني عرض المسألة، غفر الله له ورحمه، ولكل جواد كبوة) ونحو ذلك، ثم يستخدم ضد من يناقشه بأدب واحترام سلاحا رخيصا، وهو اتهامهم بأنهم يقدسون السلف ويغالون في احترامهم وحبهم.

أمور يضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها اللبيب

ولا شك أن هذا كله لسبب إهمالهم دراسة منهج المحدثين في النقد دراسة صحيحة، ولتحكيمهم العقل عند الحكم على الأحاديث، وإحسانهم الظن برواة الحديث.

يقول عبد الرحمن بن مهدي:

''خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث'' [3] .

ويقول الحافظ ابن حجر:

(1) - هذه المسألة المتصلة باهتمام النقاد ببيان الحكم أكثر من التركيز على دقة التعبير عن حيثياته مما ينبغي إبرازه للباحثين المجدين، وقد مررنا في السنوات الماضية أثناء البحث والتتبع بأمثلة كثيرة لذلك. أقول هذا لئلا يثير بعضهم إشكالا بأن النقاد مختلفون في التعليل أو مضطربون في حيثيات الحكم قصد التهرب من قبول ذلك، كما ستجدون ذلك في بعض المناقشات في كتب التخريج، وكذلك في هذا الحوار.

(2) - انظر كتاب زيادة الثقة في كتب المصطلح للمؤلف. .

(3) - نقله العقيلي في كتاب الضعفاء 1/ 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت