الصفحة 8 من 142

ومع ذلك فحسب إطلاعي- المحدود نسبيا - لم أر أحدا من الطائفتين جمع مثل ما جمعه الشيخ محمد الأمين في هذا الأمر، فهو في مقاله هذا قد احتو ش أسوأ ما عند هاتين الطائفتين، بل وأربى عليهما في ذلك، وتشمل موافقته لهاتين الفئتين، الموافقة في المنهج والأسلوب معا

فأعظم شيء شابه فيه الشيخ أهل الاستشراق هو الانتقائية في مقاله، ويمكن أن يعد هذا من النقص والقصور في البحث العقلي أو العلمي، وذلك في إتيانه ببعض النصوص في ثنايا مباحث مقاله، وإهماله أضعاف ما أورده من النصوص المخالفة لما ينقله، بل يقتصر أحيانا من النص على بعضه، ويحذف الباقي لعدم موافقته غرضه، وقد أشرت إلى هذا سابقا، وسيأتي بيانه لاحقا - إن شاء الله -.

والذي دعا الشيخ إلى هذا خطأ منهجي آخر، وقع فيه كثير من المستشرقين قبل، وهو الدخول على موضوع البحث بفكرة مسبقة، فمن كان هذا حاله لا تقع عيناه عند المطالعة إلا على ما يوافق مراده، ولا يبالي حينئذ بكل خبر ظفر به من حيث صحته وضعفه، ومن حيث دلالته على مطلبه، بل يذهب أحيانا في تأويله مذهبا يدعو إلى الريبة حيث يقوّل فيه أهل العلم ما لم يقولوا، حتى يظن بهم موافقة الشيخ فيما يدعيه، وأمثلة ذلك في مناقشة المقال.

وهذا يجر إلى افتقاد الكاتب للموضوعية في ما يكتب، فبدل أن يصف الأشياء كما هي عليه، وكما يراها جميع العقلاء، دون إقحام تصورات شخصية من شأنها أن تشوه الحقيقة، أو تسير بها في غير الاتجاه الصحيح= يصبح الأمر عكس ذلك تماما.

وبناء على الموافقة المتقدمة وغيرها جاءت موافقتهم في النتيجة حيث قال الشيخ: مثل قولهم في عد الإمام من أهل الرأي، وفي نسبة تأسيس المذهب إلى التلاميذ بدل الإمام مالك نفسه، وربما هناك أشياء وافقهم فيها، لم أطلع عليها لقلة البحوث المترجمة في هذا الموضوع خاصة.

وأما الشيعة فقد وافقهم الشيخ منهجيا في اعتماده على الأخبار الضعيفة في مقاله، وفي الاستدلال بأقوال مخالفيهم الذين يصفونهم بكل عيب ونقص، ومع ذلك يستدلون بكلامهم ويحتجون به، وهذا ما فعله الشيخ محمد الأمين حيث أكثر من الاستدلال بأقوال أبي محمد علي ابن حزم الظاهري في مقاله، مع سوء قول الشيخ محمد في الظاهرية ...

وأما من حيث الأسلوب فقد وافق الشيخ أهل التشيع المقيت، في شدة التحامل على المخالفين، والإزراء عليهم، والاستخفاف بهم، بل وصل الأمر بالشيخ محمد الأمين أن ترك الترحم على الإمام في مقاله - ولو لمرة واحدة - وقد ذكره في المقال عشرات المرات، وبذا خلا المقال من رقة اللفظ عند الخلاف، ومن رفعة الذوق عند التحاور، ومن التأويل الحسن للمقابل، ومن خفض الجناح، وهذه الشمائل هي عنوان مروءة الباحث.

وكان حقا على الشيخ محمد الأمين أن يعلي من شأن علماء الأمة - وخاصة أئمة السلف الصالح- في وقت قد أخذت الأمم تتداعى على أمة الإسلام من كل حدب وصوب، وقد جعلوا من أولوياتهم إسقاط الرموز الإسلامية، الذين من أوائلهم علماء الإسلام الكبار، وغيرهم من دعاته الأماجد، أقول كان حقا على الشيخ - وهو الذي تصدر للتعلم والتعليم- أن يحترم الذخيرة العلمية الواسعة التي حازتها الأمة، وأن يبجل أهلها في جميع طبقاتهم، وأن يسعى إلى حفظها ونشرها، وكل ذلك داخل في قوله - صلى الله عليه وآله وسلم- (الدين النصيحة ... لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)

قال الحافظ - رحمه الله - في الفتح: ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم.

وهذا علامة الأندلس وفخره ابن حزم - رحمه الله - على شدته على الإمام وأتباعه، لم يسعه إلاّ أن يقول لأحد مناظريه - وقد نسب إلى الإمام ما لا يليق حسب فهم ابن حزم: ( .. وقد أعاذه الله - الإمام مالك - من ذلك، بل كان عندنا أحد الأئمة الناصحين لهذه الملة، ولكنه أصاب وأخطأ، واجتهد فوفق وحرم، كسائر علماء المسلمين ولا فرق .. ) الإحكام 2/ 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت