-صلى الله عليه وآله وسلم- كالصاع وترك صدقة الخضروات ونحو ذلك = حجة يجب إتباعها. وكذلك الصحيح أن اجتهاد أهل المدينة في ذلك الزمن مرجح على اجتهاد غيرهم، فيرجح أحد الدليلين بموافقة عمل أهل المدينة، وهذا مذهب الشافعي، وهو المنصوص عن أحمد، وقول محققي أصحابه.
وكان لمالك بن أنس - رحمه الله- من جلالة القدر عند جميع الأمة، أمرائها وعلمائها ومشايخها وملوكها وعامتها، من القدر ما لم يكن لغيره من نظرائه، ولم يكن في وقته أجل عند الأمة منه، وقد روي حديث نبوي، وفسر به، ومن جاء بعده من الأئمة - رحمهم الله - مثل الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما؛ فهم أشد الناس تعظيما لأصوله وقواعده (غير الواضحة عند محمد الأمين) ومتابعة له فيها (لأنها واضحة عندهم) وهم متفقون على أن مذاهب أهل المدينة رأيا ورواية أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية في ذلك الوقت).271 - 273.
فماذا يقول شيخ الإسلام لو عاش حتى يرى من يقول عن الإمام مالك - رحمه الله: إنه يفتي بعنصرية، وإنه تعرض لكثير من السخرية، لمخالفته من هو أعلم منه، وإنه أصبح أداة في أيدي بني العباس، وتم احتواؤه من قبلهم، حتى أصبح وزيرا لهم ... وغير ذلك كثير مما سيراه القراء الكرام - عافاهم الله - من سماع مثل هذا الباطل.
ثم إن الشيخ يحاول - ظلما - أن يوجد له سلفا في عمله هذا في حق الإمام، فيأتي بأثر عن سيدنا عمر ومعاوية - رضي الله عنهما - لا ندري ما صحته، وإن صح فليس فيه ولا شبه دليل لما فعله مع الإمام مالك. وهذا الأثر هو ما ذكره الإمام الذهبي في السير 3/ 135، وابن كثير في البداية 8/ 125 وهذا لفظه كما ذكره الشيخ محمد الأمين: قال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده. قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء؛ فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين الله الله فيّ. فرجع عمر إلى مجلسه فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين؟ وما في قومك مثله؟ فقال: والله ما رأيت إلا خيرًا، وما بلغني إلا خير، ولو بلغني غير ذلك لكان مني إليه غير ما رأيتم، ولكن رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه ما شمخ.
فرد عليه الأخ محمد رشيد - بارك الله فيه - استدلاله قائلا: و لكن ما وجه إيراد هذا الأثر عن عمر رضي الله تعالى عنه؟ !
إن كنتم تستدلون به على صحة المستدرك فهذا و الله لا سبيل أبدا للتمثيل به، بل التمثيل به باطل من وجهين:
الأول: أن مجرد الضرب ليس فيه الطعن في ذات الشخص بل أمر الضرب و ما نتج منه منفصل تمام الانفصال عن أمر الجرح، بدليل أن عمر رضي الله تعالى عنه و أرضاه أثنى عليه في نفس المجلس الذي قام منه و ضربه و لا قال له أحد إنك قد ناقض قولك فعلك، و لا أظنكم تقولون بالتناقض، فانظر شيخنا كيف جمع عمر بين الضرب لوضع الشموخ و بين الثناء عليه بالخير، و انظر كيف أن ذلك لم يشكل في عقول الحضور من الصحابة، و أما ما صنعتم مع الإمام مالك هل هو من باب الحط من ذات الشخص لا كسر شموخه هو، فقد مات الإمام رضي الله عنه و أفضى إلى ما قدم.
الثاني // في الأثر الذي أوردتموه من كان المقصود توجيهه من فعل عمر؟
هل الناظر إلى معاوية أم معاية نفسه؟
إن كان معاوية نفسه فظاهر تمام الظهور بطلان تمثيلكم بهذا الأثر على ما فعلتم، فقد مات الإمام مالك و لا ذنب له بالإجماع في غلو من غلا فيه
و إن كان المقصود هو الناظر لمعاوية رضي الله عنه فلا يصح إيرادي لهذا الوجه الثاني، و لكن يبقى الأول في التفريق بين الصورتين ... فليراجع
وزدت رده إيضاحا في أثناء المشاركات في مناقشة الموضوع. فقلت: ثم الاستدلال بهذه القصة- على فرض صحتها- خطأ فادح من وجوه، ذكر بعضها الأخ محمد رشيد، وأزيد عليها.
أن سيدنا عمر في مقامه وعلمه يتحمل منه مثل ذلك، بعد إيضاح سببه، وهو كان- فوق الإمارة- بالنسبة للصحابة الكرام كالوالد- رضي الله عنهم أجمعين-. فلو سلمنا بصحة الإقتداء بعمر- رضي الله عنه- في هذه فالظن أن يقوم به من كان في مثل مقامه، بما يشبه فعله، عند الحاجة الملحة إليه.