الصفحة 3 من 142

وإنما كان يكفيك- يا أخي- أن تذكر طائفة من معاصري الإمام، مع بيان درجاتهم في العلم، وبعض اجتهاداتهم، ثم تذكر بعض المسائل التي خالفوا فيها الإمام وتكون آراؤهم في ذلك أصح وأرجح من رأي الأمام حتى يظهر علمهم على علمه.

فإن زدت على ذلك ذكر من فضلهم على الإمام من أهل العلم فحسن، وأراك فعلت هذا، ولكن في غير مقام الدعوى، وسيأتي بيان ما فيه في مسألة التفضيل لاحقا-إن شاء الله-.

ثم تردف ذلك ببيان بعض النماذج من المسائل الاجتهادية التي أخطأ فيها الإمام، أصلية كانت أو فرعية- ورأيتك أشرت لبعض ذلك بما لا يؤدي الغرض- مع عدم التهويل والتلفظ بما لا ينبغي، وليس من كلام أهل العلم، كما فعلت عند وصفك للإمام بأنه أفتى بعنصرية.

ثم ما الذي فهمته من وصف الإمام بأنه إمام أهل الحجاز-وليس المدينة فقط- وأنه أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ودراية، كما عبر شيخ الإسلام عن ذلك، في كلام له، تزعم أنك رددته جملة وتفصيلا. ماذا فهمت- يا أخي- هل تعتقد أن أحدا يقول: إن الإمام هو أهل المدينة، وأهل المدينة هم الإمام، بحيث إذا تكلم فهو هم، لا - يا أخي- ليس هذا ما أراده أهل العلم بقولهم ذاك.

عباراتهم واضحة في بيان مرادهم، الإمام أفضل أهل زمانه معرفة بعلم أهل المدينة، وأحفظ الناس له، وخير من ورث علم الأوائل من أهل المدينة، بهذا شهد له أئمة السلف، وليس ابن تيمية -رحمه الله- بدعا في ذلك. قال الإمام علي بن المديني- رحمه الله:

(و أخذ عن زيد ممن كان يتبع رأيه أحد وعشرون رجلا، ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاثة: ابن شهاب، وبكير بن عبد الله، وأبي الزناد؛ وصار علم هؤلاء كلهم إلى مالك بن أنس) . وقال حميد بن الأسود- رحمه الله: (ما تقلد أهل المدينة بعد زيد بن ثابت كما تقلدوا قول مالك) .

وقال عتيق بن يعقوب: ما أجمع أحد بالمدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا على أبي بكر وعمر، ومات مالك وما نعلم أحدا من أهل المدينة إلا أجمع عليه). نقل هذه الأقوال القاضي عياض في المدارك، وكلام ابن المديني تجده في تقدمة الجرح والتعديل ص 22 بمعناه وهو في العلل له ولم أقف عليه. وهناك شهادات أخرى تركتها اختصارا.

فالشيخ عندما يريد أن يرد كلام شيخ الإسلام - بعد فهم مراده جيدا - لابد أن يضع هذه النصوص وغيرها أمامه، فالأمر ليس مسألة اجتهادية عقلية، بل هم يحكون واقعا مشاهدا. وخصوصا إذا لاحظ القارىء المتتبع أن الغالبية العظمى من أقران الإمام ماتوا قبله. فمن بقي يحمل علم الأوائل من أهل المدينة مثل الإمام؟

ثم تأتي هنا مسألة فرعية أشار إليها الشيخ في مشاركة له، وهي أن الكلام السابق الذي ذكره في اختزال مذهب أهل المدينة في الإمام، يفضي إلى القول بعصمة الإمام، بناء على القول بحجية عمل أهل المدينة، أو إجماع أهل المدينة - كما يعبر البعض- وهذا القول فضلا على أنه ليس هناك من قاله - فيما نعلم من مذهب أهل السنة - فهو غير لازم البتة، لأن حجية عمل أهل المدينة من الأدلة الظنية، ولا عصمة لظني، والدليل اختلاف الناس حولها، فلو كانت قطعية معصومة للزم الناس إتباعها، فالإمام غير معصوم إذا.

ثم لمن كتب الشيخ هذا المقال؟ يقول الشيخ: إنه كتبه للمالكية، لماذا المالكية؟ هل لاحظ الشيخ عندهم تعصبا زائدا لإمامهم؟ كل أتباع الأئمة هكذا، على تفاوت بينهم، فهلا فعلت ذلك مع غيرهم!

هل غالوا في ثنائهم على الإمام؟ ربما كان بعض ذلك، ولكن شهد البعض أنهم أخف في ذلك من غيرهم، ثم هل لهم أخطاء في أصول مذهبهم، أو فروعه؟ ليصلح الشيخ ذلك بعلم، وليبين لهم ويناقشهم، لعل الله يصلح به الخطأ. وليصبر في ذلك وليحتسب، ولتكن له أسوة فيمن سبقه من الأئمة، فقد أوذوا بأكثر مما تعرض له الشيخ - إن كان - وما فعلوا ما فعل.

ثم ليكن معلوما لدى الشيخ أن الإمام مالكا - رحمه الله - لا يخص المالكية وحدهم، حتى يتكلم فيه الشيخ بهذه الطريقة بل هو إمام من أئمة المسلمين، الذين نقلوا لنا هذا الدين، فأي تجريح في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت