الصفحة 16 من 142

قلت: قد يكون الأمر كذلك، ولكن النص المنقول عن الذهبي وفيه هذه العبارة، ليس هكذا في الأصل المنقول عنه، بل الجملة الأولى فيه وهي قول الإمام عياض التي نقلها الذهبي) أختلف في نسب ذي أصبح اختلافا كثيرا) جاءت في السير8/-64، بعد ذكر الذهبي للاختلاف حول سلسلة الأسماء في نسب ذي أصبح المتقدمة، ثم بعد أربعة أسطر قال الذهبي: (وروي عن ابن إسحاق أنه زعم أن مالكا وآله موالي بني تيم، فأخطأ، وكان ذلك أقوى ) .فجاء الشيخ محمد الأمين فألصق النصين بدون أن يفصل بينهما.

فترتب على ذلك أمور، أولها: اعتقاد القارىء للنص أن الاختلاف المذكور هو فعلا حول عروبة الإمام، وليس حول سلسلة أسماء ذي أصبح وضبطها.

وثانيها: أن يظن المطلع على النص المتقدم أن التخطئة المذكورة هي للقاضي عياض، فلا يلتفت إليها لأنها صدرت من أحد أتباع الإمام، بينما الحقيقة أنها من قول الإمام الذهبي- رحمه الله -.

ثالثها: بطلان طعن الإمام مالك في ابن إسحاق بسبب الاختلاف الكبير حول نسبه، وقد أقر بذلك الاختلاف القاضي عياض وهو المالكي المذهب. وتلك كما ترى أيها القارىء الكريم ظلمات بعضها فوق بعض، كنت قد غضضت الطرف عنها لعل الشيخ يكتفي بالإيضاح المتقدم، ولكنه أصر على دعواه الباطلة فلزم البيان.

ثم إن الشيخ أراد أن يستكثر من الطاعنين في نسب الإمام فجاءنا بمن لم يخطر لنا على بال، وهو الكوثري (الهالك) كما وصفه الشيخ، ثم سحب بعدُ هذا الوصف، ولا أدري لم؟!! وهو- أي الكوثري- هالك فعلا منذ زمن بمعنى أنه توفي- رحمه الله - وذلك من باب قول علماء المواريث: هلك الهالك وترك كذا هذا ما فهمته منذ قرأت النص أول مرة، ولم أفهم غيره، لأنه يستحيل في العقل أن يحتج أحد بإنسان- أو يذكر اسمه حتى- في مقام، مع اعتقاد هلاكه بالمعنى الذي يعرفه أهل الحديث.

ويبدو أن الشيخ تفطن لهذا فحذف وصف الهلاك عن الكوثري وأبقى طعنه في نسب الإمام ليكسب الطعن قوة أكبر، وليثبت لنا كثرة الاختلاف - المزعوم - حول نسب الإمام. أو لعله حذفه لأسباب أخرى لا نعلمها، ولكن الله يعلمها. ولا يخفى عليّ إذ أكتب هذا أن الشيخ إنما أورد كلام الكوثري بطريقة يفهم منها إنكار ذلك من الكوثري، ولكنني من خلال ملاحظاتي على مقال الشيخ محمد أرى أن الأمر مقصود، وهو كما ذكرت مجرد الاستكثار من عدد الذين تكلموا في نسب الإمام، ولايهم الشيخ من هم، وكذا لا يهمه خطؤهم ولا صوابهم في ذلك.

بل اللحن عيب

إيراد الشيخ لهذه المسألة في مقاله، وإصراره عليها في التعديل الطفيف الذي أدخله على المقال، بما أورده من دليل جديد- فيما يظن- على لحن الإمام، بعد مناقشة الإخوة، كلمات وابن وهب ومحمد رشيد له في هذه المسألة في المنتدى= كل ذلك يدل بجلاء على أن الشيخ يقصد التشويش على الإمام، وتشويه صورته لدى قليلي المعرفة من القراء، وبالتالي التشكيك في مسألة إمامته واجتهاده، لأن عوام الناس قبل خواصهم يعلمون مدى أهمية المعرفة باللغة العربية لمن ينسب للاجتهاد في الشريعة المنزلة بلسان عربي مبين، وكذلك الأمر بالنسبة لمرويات الإمام في كتب السنة، ينبغي أن تكون محل تحفظ واحتياط، مادام الإمام ممن يلحن، وينبغي تقديم رواية غيره عليه. هذا ما يقتضيه العلم في من كان بالصفة التي يدعيها الشيخ محمد الأمين في حق الإمام مالك، وأما قوله في المنتدى: ليس شرطا في الفقيه أن يكون نحويا. قلت: ومع عدم التسليم بقوله هكذا، يبقى أنّ مالكا ليس مجرد فقيه بل هو إمام مجتهد صاحب مذهب مستقل، فاشتراط المعرفة بكل ما يتعلق بعلم اللسان العربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت