في حقه أشد وآكد، وهذا ما يريد الشيخ محمد أن ينفيه عن الإمام بنسبته إلى اللحن في اللغة، وهو يظن أن من لوازم اللحن عدم المعرفة بعلوم العربية، الذي ينتج عنه ضعف في دعوى نسبة الإمام مالك للاجتهاد في الشريعة الإسلامية، فضلا عن الإمامة فيها، وهذه الغاية القصوى التي يطمح الشيخ محمد في إيصال قرائه إليها.
قلت: ولكن مجرد التفكير في هذا - فضلا عن التصريح به - يبطله إجماع أهل العلم على صحة نسبة الإمام مالك إلى أرقى مراتب الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، وقبول ذلك منه، وعد قوله في مسائل الاجتهاد خلافا، وبذا لا ينعقد الإجماع مع مخالفته، ثم التنصيص على بلوغه درجة الإمامة في الدين من قبل طائفة كبيرة من أهل العلم، وإطباق الناس على هذا من بعدهم، وسيأتيك خبر ذلك بعد حين - إن شاء الله -، ثم في اتفاقهم في مجال الرواية على تقديم مروياته على غيرها من أهل هذا الشأن= ما يدلك على أن ما يقوله الشيخ هنا، من نسبة الإمام إلى اللحن في كلامه، أو في روايته للحديث، لم يكن منهم على بال، وأنه من الباطل الذي لا يعبأ به، وأن الإمام مالكا قد توفرت فيه شروط الاجتهاد عندهم كاملة، وكذا يقال في ما يتعلق برواية السنة، وهذه أمور أوضح من أن نذهب لنقيم عليها دليلا، فإطباق العلماء عليها يغني عن أي دليل في ذلك.
ثم نقف على دعوى الشيخ محمد، فنراه يقول عن الإمام مالك: وكذلك فعل مع ابن إسحاق، واتهمه بأنه"دجال من الدجاجلة". أي أن مالك قد جمع"الدجال"على"دجاجلة"، وهو جمع لم يكن سمع به ابن ادريس الكوفي، وظاهر أنه لحن. وأيًا كان، فإن الإمام مالك قد اتهم باللحن بالعربية. وقد اتهمه بذلك الإمام أبو عبد الرحمن النسائي، كما أخرجه الخطيب في الكفاية (2\ 555) بإسناد صحيح.
قلت: مسألة اللحن التي يدندن حولها الشيخ، كما رمي بها جماعة من أهل الحديث، رمي بها جماعة من أهل الفقه و الرأي، وقد دخلت هذه المسألة ضمن طائفة من الطعون يتراشق بها أصحاب المذاهب حمية وعصبية، وقد كنت أظن أن أمرها انتهى منذ زمن الكوثري، فإذا بالشيخ يريد أن يحييَ ما أماته الله من أمرها، وقد ألمح إليه الأخ ابن وهب إلى اطراح الكلام في هذه المسألة، ولكنّ الشيخَ مصر على ذلك، وهذا الإصرار يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، وأنا في هذه المناقشة حريص أن لا انجر إلى باطل، وأن لا أتحول عن حق بإذن الله.
أما ما ذكره ابن إدريس الكوفي عن الإمام فأمره قريب، ويأتي الكلام عليه بعد قليل.
وأما كلام الإمام النسائي - رحمه الله - الذي ذكره عنه الإمام الخطيب في الكفاية، فهذا نصه، قال رحمه الله: (لا يعاب اللحن على المحدثين، وقد كان إسماعيل بن أبي خالد يلحن وسفيان ومالك بن أنس وغيرهم من المحدثين) .
قلت: لم يبين لنا الإمام النسائي، على أي شيء اعتمد في نسبة اللحن للإمام، ولم يذكر حتى مثالا على ذلك، ولا نسبه لغيره ممن تلقى عن الإمام وروى عنه، وهم كثير، ومعلوم أن ولادة الإمام النسائي بعد وفاة مالك بأكثر من ثلاثين سنة، فهو يروي عنه بواسطة أو اثنتين، فمن العجيب انفراد الإمام النسائي بذلك، وغفلة تلامذة الإمام عن ذلك وقد بلغ عددهم أكثر من ثلاثمائة وألف من الرواة، فهل كلهم تواطؤا على إخفاء ذلك عن الإمام لو كان؟ ويغلب على ظني أن الإمام النسائي قد