الإمام - قوله وقول بعض أهل بيته: إنهم عرب من أصبح، وليسوا موالي لأحد؟ أما كان يكفيه هذا، مع قول الكافة من أهل العلم به؟ فهل من طرائق أهل العلم الكلام على أنساب الناس بهذه الطريقة؟ والاحتجاج على ذلك بمثل قول الكوثري - رحمه الله -؟ أم أن الشيخ يتبنى هذا الرأي، و لكن ضاقت عليه السبل فلم يجد إلا الكوثري ليضع هذا الأمر على عاتقه، كأنه ليس عنده ما يكفيه في هذا الباب - رحمه الله وغفر لنا وله -. ثم لماذا هذا الخلط والتلبيس في تناول هذا الأمر؟ ولمصلحة من: إثبات أن الإمام مولى من الموالي وليس عربيا صليبة؟ وهل يؤثر هذا لو صح على علمه أو إمامته؟ أم يؤثر على حسناته وموقفه بين يدي ربه العلي المجيد؟
قال الأستاذ محمد الأمين:
واختلفوا في نسب مالك، لكن عامة الناس على أنه من العرب وليس من الموالي. ومع ذلك فقد طعن الكوثري في نسب الإمام مالكٍ، وجعله من الموالي لا من العرب. وسيأتي كيف أن الإمام مالك قد طعن في القاضي الثبت سعد لأنه تكلم في نسبه.
وقال بعد ذلك في وسط المقال: (وقد طعن مالك في إمام المغازي محمد بن إسحاق، واتهمه بأنه دجال من الدجاجلة، لمجرد أنه تكلم في نسبه. مع أن هذا الأمر قد اختلف فيه اختلافًا كبيرًا. جاء في سير أعلام النبلاء(8\ 71) : «قال القاضي عياض (مالكي المذهب) : أختلف في نسب"ذي أصبح"اختلافًا كثيرًا. وروي عن ابن إسحاق أنه زعم أن مالكا وآله موالي بني تيم، فأخطأ. وكان ذلك أقوى سبب في تكذيب الإمام مالك له وطعنه عليه» .
قلت: الكلام على نسب الإمام مالك في بعض المصادر يتمحور حول مسألتين.
الأولى: هل الإمام مالك عربي أصبحي، أم هو مولى من موالى آل تيم؟.وهذه هي التي تكلم فيها الشيخ وحكى فيها الاختلاف. بل الاختلاف الكبير كما قال في المرة الثانية.
الثانية: هي الاختلاف الكبير الذي ذكره بعض أهل العلم في نسب ذي أصبح.
ويبدو أن الشيخ لم يحرر المراد بالاختلاف في نسب ذي أصبح، فتداخلت عنده المسألتان، فاستدل بما جاء في الثانية ليثبت دعوى الاختلاف الكبير في الأولى، كيف ذلك؟ إليكم الإيضاح.
بالنسبة للمسألة الأولى: فالصحيح الذي عليه علماء النسب ممن كان في زمن الإمام أو ممن جاء بعده، وما عليه جماعة أهل العلم الذين ترجموا للإمام رحمه الله؛ أن الإمام عربي أصبحي، إلا شيئا يذكر عن محمد بن إسحاق- رحمه الله -.
قال ابن عبد البر في الانتقاء ص11، بعد أن ذكر نسب الإمام إلى ذي أصبح عن بعض أهل العلم): هذا لا أعلم أن أحدا أنكر أن مالكا و مَنْ وَلدَهُ، كانوا حلفاء لبنى تيم بن مرة من قريش، ولا خالف فيه أحد إلا أن محمد بن إسحاق زعم أن مالكا وأباه وجده وأعمامه موالى لبنى تيم بن مرة وهذا هو السبب لتكذيب مالك لمحمد بن إسحاق وطعنه عليه).
ثم جاء القاضي عياض - رحمه الله - ففصل الأمر، ووضحه توضيحا، فقال: (لم يختلف العلماء بالسير والخبر والنسب في نسب مالك هذا، واتصاله بذي أصبح، إلا ما ذكر عن ابن إسحاق وبعضهم، من أنه مولى لبنى تيم، وسنبين وهم من قال ذلك، والعلة التي من أجلها تطرق الوهم إليهم) .
ثم بعد أن بين القاضي وهما وقع للحاكم - رحمه الله - في نسب الإمام قال: (وأما من زعم أنه مولى تيم فدخل الوهم عليه إذ وجده ينتمي إليهم ويحسب في عدادهم، بسبب حلفه معهم، وإلا فنسبه في ذي أصبح صحيح، ذكر ذلك غير واحد من زعماء قريش ونسابها، وغيرهم من أهل العلم؛ كمحمد