وأن يرزقنا مجاورة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الرجاء العظيم يقتضي منا تمام المحبة والتعلق به جل جلاله، والمحبة محبة الله سبحانه وتعالى قاضية على محبة من دونه، فمن أحب الله جل جلاله أحب كل من يحب الله، فنحن الآن نحب محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى ونوحا والنبيين أجمعين لأنهم يحبون الله ويعبدونه، ونحب جبريل وإسرافيل وميكائيل لأنهم يحبون الله ويعبدونه، وكل من أحب الله وعبده فإننا نحبه حبا شديدا، لحبه لله جل جلاله، وذلك من تمام محبتنا لله.
وهذه المحبة كما ذكرت قاضية على كل حب سواها، فمن أبغض الله وخالفه وحاده في ملكه فلا بد أن يكون بغيضا علينا ولا بد أن نكرهه كراهة شديدة ولو كان أقرب الناس إلينا كما قال الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} ، وهذه المحبة هي أعظم محبة كما قال الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} ، فأشد أفعل تفضيل، وهي تقتضي أنه لا يمكن أن يوجد شيء من المحبة أشد من ذلك، وهذا المقام هو من الإيمان، ومن لم يجده في نفسه عامل الله بمعاملة الإنسان في البيع والشراء، وذلك خطأ في التعبد، فلا بد أن يكون الإنسان يعامل الله مع رغبته فيما عنده من الخير، ورهبته لما عنده من العذاب يعامله أيضا بمحبة شديدة له جل جلاله، ليكون في تعبده مؤديا للحق الواجب لله سبحانه وتعالى لا يطلب حظا نفسيا فقط، وهذا يقتضي من الإنسان أن يراجع نفسه دائما فيما يتعلق بتعبده هل هو محب لله، فكثير من الناس يؤدون العبادات ويتركون المحرمات طمعا في الجنة وخوفا من النار، ولكن لا يخطر على بالهم ما يتعلق بحب الله جل جلاله، وحب الله سبحانه وتعالى مقام كبير يزداد به الإنسان قربا، ولو كان قليل التعبد، فمحبته لله سبحانه وتعالى ترفع منزلته وتعلي قدره، ومن حقه إحسان عبادته، فهذه العبادة التي يؤديها المسلمون لله سبحانه وتعالى متفاوتة هم درجات عند الله، وهم متفاوتون فيها تفاوتا عظيما، ومن كان منهم أحسن للعبادة وأوفى بحقها كان مقامه أعلى عند الله سبحانه وتعالى، والعبادة تبنى كما تبنى البيوت، لها تأسيس وهو صحة الاعتقاد والتوجه إلى الله جل جلاله وحده، ثم بعد ذلك أداء الفرائض ثم بعد ذلك السنن ثم بعد ذلك المندوبات كما ثبت في الحديث القدسي الصحيح: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه.
وبعد ذلك يأتي حقوق المخلوقين وأعظمها حق محمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي هدانا الله به من الكفر، وأنقذنا به من الضلالة والجاهلية، وهو الذي ندخل الإسلام بشهادة أن محمدا رسول الله، ونذكره في أذاننا وإقامتنا وفي تشهدنا في الصلاة، وهو الذي نسأل عنه