العمل والتكليف إلى دار الجزاء والثواب - وهذا ما لا يُعقَل - فما كان يصحُّ لهم إلا أن يقولوا: إن هذه الاستغاثة عبثٌ لا شرك، فإنَّ مَن استَغاث بالجماد وهو يعلَم أنه ليس بربٍّ، كان عابثًا بهذا العمل لا مُشرِكًا؛ ولكنَّها الأهواء إذا غلبَتْ دفعَتْ بصاحبها إلى ما لا يصحُّ في معقول، ولا يثبت في منقول.
ولو زال عنهم حجابُ الهوى وحميَّة التعصُّب، لسمعوا الله يقول في الشُّهَداء - الذين هم دون الأنبياء بدرجات: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] ، حتى يصرِّح في حقِّهم بالحياة ولوازمها في بقيَّة الآية.
وما شهادة الشُّهَداء إلا قبسٌ من ضِياء جهاد الصدِّيقين، وأين جِهاد الشُّهَداء والصدِّيقين من جهاد النبيِّين؟ فما الظنُّ بسيِّد المرسَلِين - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام؟
فلا جرم أن تكون حياتهم في القبور أتَمَّ وأكمل من حياة الشهداء، وأهل البصائر يعلَمون أنَّ هذه الحياة الدنيوية - التي صحَّح هؤلاء معها الاستِغاثة - هي موتٌ بالإضافة إلى ما تفضَّل الله به على الشُّهَداء في بَرازِخهم من الحياة.
وهكذا نسبة ما نال الشهداء إلى ما نال الصدِّيقين والنبيِّين منها، ويَتَضاعَف ذلك إذا ما وَقعَت النسبة بين هذه الأنواع وبين ما أُوتيه في برزخه سيِّد الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - من الحياة وتوابِعها؛ من العلم، والسمع، والبصر، والاقتِدار على النفع والضر - بإذن ربه عزَّ وجلَّ.
فالمعنى الذي أجاز له هؤلاء المبتَدِعةُ الاستِغاثة بالأحياء بحجَّة أنهم قادِرُون سامِعون حتى لم يُخرِجوهم بها إلى الشرك، هو موجود على أتَمِّ وجوده في عامَّة المؤمنين، بل وخاصَّتهم الصالحين؛ بل صحَّ أنه - عليه الصلاة والسلام - حينما نادَى أهلَ القَلِيب بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهم صَنادِيد الكفر وعُظَماء أهل الشرك، فقال قائل: يا رسول الله، وما تُخاطِب من أجساد لا أرواح فيها؟!
وفي روايةٍ أخرى: من أقوام قد جَيَّفوا؟! فحلف لهم الصادق الأمين على أنَّ هؤلاء الذين ترَوْنهم كما ذكرتُم، ليسوا كما ترَوْن؛ فقال: (( والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ... ) )؛ بمعنى: أنهم أسمع منكم لما أقول، ودعوى الخصوصيَّة بلا دليل - بل مع قيام الدليل على انتفائها - غير مسموعة"."
"ثم بعد هذا، كيف يسوغ لهؤلاء الجاحدين من الوهَّابيين والعُلَماء الذين غفَلُوا عن حقيقة الأمر وبواطن الشريعة وتذوُّق ثمارها الطيب (!) يحرِّفون كَلِم الكتاب عن مَواضِعه كدابِ إخوانهم الأوَّلِين من الخوارج؟ فتَراهُم يعمدون إلى آياتٍ نزلت في المشركين لا تَصدُق إلا عليهم،"