ليحملوها على المؤمنين وعباده الصالحين!
وهذه صفة الخوارج متى وُجِدوا وحيث وُجِدوا في كلِّ زمان ومكان؛ يتحرَّفون عمَّا ثبَت من دين الله بالكتاب والسنة والإجماع، إلى آراء زُيِّنت لهم، فحسِبُوها دينًا ودعَوْا إليها الناس، فمَن لم يوافقهم كفَّروه بمخالفتها، واتَّهَموه بالمُرُوق عن الدين والابتِداع، كما نرى في هذا الحراني وشيعته؛ يسردون في كتبهم كلَّ آية نزلت في الأصنام وعابديها، ثم يحمِلون الأصنام على مَن مات من الأنبياء والصالحين، ويحمِلون العابِدين لها على أهل القبلة الموحِّدين المتوسِّلين والمستغيثين؛ كقوله - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] ، {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} [يونس: 18] ، {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} [يونس: 106] ... إلى غير ذلك من الآيات، وهي في القرآن الكريم كثيرة.
وحاصِل ما قالوه في هذه الآيات وفي غيرها: أنَّ الناس قد أطبَقُوا على دُعاء صالحي أهلِ القبور ونِدائهم مُستَغِيثين بهم، وكلُّ دعاء فهو عبادة، وفاتَهُم أنَّ هذا قياس إن صدقتْ صُغراه، لقد كذبتْ كُبراه؛ فلا تكون نتيجته إلا كذبًا.
فلو كان كلُّ دعاء عبادة، لمَا صحَّ الفرق بين الحاضر والغائب، ولا بين الحي والميت، ولكان كلُّ مُستَنجِد وداعٍ لأحدٍ مُستَغِيثًا به كافرًا مشركًا؛ فيلزم أن يكونوا مشركين في نِداء بعضهم بعضًا.
وبيان كشف المُغالَطة في هذا البيان: أنَّ الدُّعاء بمعنى النِّداء إن كان لِمَن لا يعتَقِده ربًّا، فليس من العبادة في شيء، لا فرق في المدعوِّ بين أن يكون حيًّا بهذه الحياة الدنيا أو الحياة الأخروية، وبين أن يكون جمادًا لا يسمع ولا يبصر، وإن كان لِمَن كان يعتقد ربوبيَّته، أو استقلاله بالنفع أو الضر، أو شفاعته عند الله بغير إذن الله - فهو عبادةٌ لذلك المدعوِّ، ويكون به كافِرًا إذا كان المدعوُّ غير الله - عزَّ وجلَّ - وهذا هو ما عليه نزلتْ فيهِم الآيات من المشركين!
وقد يُطلَق الدُّعَاء على العبادة، وقد علمنا أنَّ معناها الخضوع التام لِمَن يُعتَقَد فيه الربوبية أو خاصَّة من خواصِّها، وهذا ما كان عليه المشركون؛ قال الله - تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] ؛ والمعنى: أنهم يعتَرِفون بالحق إذا نوقشوا، ثم يرجعون إلى نقيض ما نطقتْ به ألسنتهم، كما هو دأب مَن غلَبَه الهوى وأصرَّ على العناد ... واستدلالهم بقوله - تعالى - حاكيًا عن المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، ثم يقولون: إن المتوسِّلين بسيِّد النبيِّين - عليه أفضل الصلاة والسلام - وسائر الصالحين، هم ممَّن