فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 43

تنطَبِق عليهم الآية الكريمة، وهو افتراءٌ واضح على الكتاب والمؤمنين؛ فإن الآية سِيقَتْ في الذين اتَّخَذوا من دونه أولياء، والأولياء فيها هم المعبودون الذين اعتَقدُوا فيهم الربوبية واستِقلالهم بالنفع والضر، فعبَدُوهم لذلك، وزعَمُوا فيهم أنهم سيكونون لهم شُفَعاء عند شريكهم الأكبر - تعالى الله عمَّا يشركون - وأنَّ شفاعتهم نافذة عليه لا محالة بمقتضى شركهم معه، فالآية في الربوبية واستِحقاق العبادة لا تَتناوَل بمنطوقها المؤمنين المتوسِّلين، ولا يصحُّ قِياس المؤمنين عليهم، وأيُّ دليلٍ يجعل التوسُّل والاستِغاثة بالعباد من جملة العبادات التي يكفر مَن فعَلَها؟

والمتوسِّل والمستَغِيث بهم على ما علمنا من أن العبادة شرعًا لا تكون إلا لِمَن اعتَقَد الربوبية فيمَن عظَّمه وخضع له، والمسلمون - بحمد الله - بريئون من اعتِقاد الربوبية لغير مولاهم - عزَّ وجلَّ.

وحسب مؤمن أن يَنصَاع لأدلَّة هؤلاء المُكابِرين الوهَّابيين، وأن يُخدَع بأساليبهم المعسولة، وآرائهم الكاذبة، وحججهم الواهية، التي ساقُوها ليَفتُّوا في عضد المسلِمين، ويُثنُوهم عن عزَّتهم، وظنُّوها براهين واضحة ينشرون مبادئها بين المسلمين ... وليشكِّكوا في صفوة خلقه الذين اصطَفَاهم لخدمته، وصفَّاهم من كلِّ كدر في دينهم ودنياهم.

هذه آراء محمد الغريب الجاهل المتجنِّي، وهي آراء هذَى بها المخرِّفون والمبتَدِعة، وأنصار الوثنيَّة المعادون لأهل السنَّة والجماعة، وللدُّعَاة للدين الخالِص، السَّلِيم من شَوائِب الشرك وأدرانه ووسائله؛ فهو لا يميِّز بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ويفسِّر الآيات والأحاديث تفسيرًا خاطئًا، ويتمحَّل تمحُّلات واهية، ويتعسَّف في تحريفِ النُّصوص لتتَّفِق مع آرائه الكاسدة، وأفكاره المشوَّشة، فهو يدَّعي أنَّ المشرِكين كانوا يقولون عن آلهتهم: إنها تخلق وترزق وتُحيِي وتُمِيت، وإنها تُشارِك الله في الربوبيَّة، وهذا مُناقِض لما جاء واضِحًا في النصوص الكثيرة؛ كقوله - تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [لقمان: 25] ، فهُم مُعتَرِفون بأنَّ الربوبيَّة لله وحدَه، وحتى إبليس اللعين فإنه يعتَرِف لله بالربوبية؛ كما أخبر الله عنه أنَّه: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] ، و {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36] ، فيَلزَم على زعْم هذا الجاهل أنَّ إبليس مؤمن؛ لأنه مُقِرٌّ بتوحيد الربوبية؛ ففي رأيه أنَّ مَن أقرَّ بتوحيد الربوبية فهو مؤمن، وعلى دعواه الباطلة يكون المشركون مؤمنين؛ لأنهم يُؤمِنون بربوبية الله كما مرَّ، وكما أخبر الله عن المشركين أنهم أنكروا توحيد الألوهية، فقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ، وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت