عِنْدَ اللهِ [يونس: 18] ، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، فالمشركون لم يقولوا: أجَعَل الأرباب ربًّا واحدًا، ولم يقولوا: ما نعبدهم إلا لأنهم أربابٌ يخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون، وينزلون المطر من السماء، ويشاركون الله في ربوبيته؛ وذلك لأنهم عربٌ يفهَمون معاني الكلام ومدلولاته، ويفرِّقون بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فأقرُّوا بالأول، ونازعوا في الثاني.
وقد بيَّن الله أنَّ مَن أشرك مع الله في العبادة أحدًا، فهو مُشرِك وإنْ أقرَّ بتوحيد الربوبية - وجحْدُ الربوبيةِ قليلٌ - وقد أخبَر الله عن فرعون أنَّه جحَد توحيد الربوبية عِنادًا وكبرًا: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .
فمَن صَرَفَ شيئًا من أنواعِ العبادةِ لغير الله، فقد اتَّخذه نِدًّا لله؛ قال - تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] ، فالله جعَل مَن أحبَّ شيئًا كحبِّهِ لله فقد اتَّخذه شريكًا لله، ومَن تقرَّب بذبيحته لغير الله فهو مشرك مع الله؛ قال الله - تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( لعَن الله مَن ذبَح لغير الله ) )، ومَن نذَر لغير الله فقد أشرك بالله؛ قال - تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7] ، فمَدْحُ الموفين بالنذر لله يدلُّ على أنَّ النذر عبادة، ومَن عبَد مع الله غيرَه فقد أشرك، والاستغاثة بالله عبادة؛ فمَن استَغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد أشرك مع الله غيره، فالاستغاثة بالله عبادة؛ ولذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( إنه لا يُستَغاث بي؛ وإنما يُستَغاث بالله - عزَّ وجلَّ ) )، فدلَّ على أنَّ الاستِغاثة بالله عبادة، ومَن صرف شيئًا من العبادة لغير الله فقد أشرك.
وأمَّا الاستغاثة بالحي الحاضر القادر على ما استُغِيث به فيه، فلا بأس بذلك؛ بدليل قوله - تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] .
ولما أجدب الناس في زمن عمرَ بنِ الخطاب - رضِي الله عنه - استَغاث بالعباس بن عبدالمطلب - رضِي الله عنه - وقال: اللهم إنَّا كنَّا إذا أجدبنا استسقينا بنبيِّك فتسقينا، وإنَّا نستغيث بعمِّ نبيِّنا، فأغثنا، فيُسقَون.
فكان العباس يدْعو ويؤمِّنون على دعائه، فهذه الاستِغاثة هي استِغاثة بدعاء حي حاضر، قادر على الدعاء وسؤال الله أن يُغِيث المسلمين.
وكان المسلمون يستَسقون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فيدعو ويؤمِّنون على دعائه، وأمَّا بعد موته