لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسةً رأتْها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: (( أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنَوْا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصُّور، أولئك شرار الخلق عند الله ) )؛ متفق عليه، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين؛ فتنة القبور وفتنة التماثيل.
قال: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب، ونحو ذلك، فإن الشِّرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقربُ إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا نجد أهل الشرك يتضرعون، ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادةً لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السَّحَر، ومنهم مَن يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد؛ فلأجل هذه المفسدة حسَمَ النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مادَّتَها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يَقصد المصلِّي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لأنها أوقات يَقصد فيها المشركون الصلاة للشمس، فنهى أمَّته عن الصلاة حينئذٍ، وإن لم يقصد ما قصده المشركون؛ سدًّا للذريعة.
وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادَّة لله ولرسوله والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله؛ فإنَّ المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لعن مَن اتخذها مساجد، فمِن أعظم المحدَثات وأسباب الشرك: الصلاةُ عندها، واتخاذُها مساجدَ، وبناء المساجد عليها.
وقد تواترت النصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها؛ متابعةً منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحابُ أحمد وغيرُهم مِن أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة.
والذي يَنبغي أن تُحمل على كراهة التحريم؛ إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يُظن بهم أن يجوِّزوا فِعْل ما تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن لَعْن فاعله والنهي عنه؛ ا هـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب"الواسطة بين الخلق والحق"ص 3:"... وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلْب النفع ودفْع المضار، مثل أن يكون واسطةً في رزق العباد ونصْرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجعون إليه، فهذا مِن أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار".