فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 43

ولا في أفعاله؛ بل كل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فالله منَزَّه عنه حقيقةً؛ فإنه - سبحانه - مستحِق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث؛ لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجوب وجوده بنفسه - سبحانه وتعالى - ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يمثِّلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم يكن في العصور المفضَّلة مَشاهدُ على القبور؛ وإنما ظهر ذلك وكثر في دولة بني بُوَيه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودُهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم، فبَنَوُا المشاهد المكذوبة كمشهد علي - رضي الله عنه - وأمثاله، وصنَّف أهْلُ الفِرْية الأحاديثَ في زيارة المشاهد، والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك، فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبِعون لهم، يعظِّمون المشاهد، ويُهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين، ويستترون بالتشيع، ففي الأحاديث المتقدمة المتواترة عنه من تعظيم الصدِّيق، ومن النهي عن اتخاذ القبور مساجد - ما فيه ردٌّ لهاتين البدعتين اللتين هما أصل الشرك وتبديل الإسلام.

ولهذا لما لم يكن بناء المساجد على القبور - التي تسمى المشاهد - وتعظيمها من دين المسلمين؛ بل من دين المشركين، لم يحفظ ذلك؛ فإن الله ضمن لنا أن يحفظ الذكر الذي أنزله، كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، فما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة محفوظٌ.

وأمَّا أمْر المشاهد فغير محفوظ؛ بل عامة القبور التي بنيت عليها المساجد إما مشكوك فيها، وإما متيَقَّن كذبها، مثل القبر الذي بِكَرَكَ الذي يُقال: إنه قبر نوح، والذي بظاهر دمشق الذي يقال: إنه قبر أُبَي بن كعب، والذي من الناحية الأخرى الذي يقال: إنه قبر أويس القرني، والقبور التي هناك التي يُظَنُّ أنها قبر عائشة أو أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أم حبيبة، أو قبر عليٍّ الذي بباطنة النجف، أو المشهد الذي يقال: إنه على الحسين بالقاهرة، والمشهد الذي بحلب ... وأمثال هذه المشاهد، فهذه كلها كذب باتفاق أهل العلم.

وأما القبر الذي يقال: إنه قبر خالد بن الوليد بحمص، والذي يقال: إنه قبر أبي مسلم الخولاني بداريا، وأمثال ذلك، فهذه مشكوك فيها، وقد نعلم من حيث الجملة أن الميت قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت