الصفحة 39 من 67

فهي فكرة -إذن - يراد منها استرضاء الكنيسة دون خسائر علمية أو فلسفية ، وعقد نوع من المهادنة بين الكنيسة والفلاسفة . ولقد عبر بترارك عن سخطه من هؤلاء الذين يفصلون بين الدين والفلسفة ولم يقبل هذه المهادنة ، لأنه يعلم أنها بداية النهاية بالنسبة لسلطان الكنيسة ، فالرشديون - كما يتحدث - إذا جاهروا بمجادلاتهم احتجوا بأنهم يتكلمون مع قطع النظر عن الدين ، إنهم يبحثون عن الحقيقة بنبذهم الحقيقة ، وإنهم يبحثون عن النور بإدارة ظهورهم نحو الشمس ، ولكنهم في السر لا يتركون مغالطة أو تجديفًا . (1)

أليس هذا هو ما يردده أولئك الذين يتحدثون - في عصرنا - عن أنهم رجال علم لا علاقة لهم بالدين ، ولذلك فهم يبيحون لأنفسهم باسم العلم أن يقرروا ما يشاءون من القضايا التي يرفضها الدين، فالدين بنظرهم له مجاله والعقل له مجاله ولا يتدخل أحدهما في شؤون الآخر (2) لأن العناصر الغيبية في الوحي ليست معقولة . (3)

ويبدو أنه بقدر ما أصبح للرشديين من سلطان على العقول أخذت هذه الفكرة تتمدد في الأوساط الثقافية فظهر من هؤلاء يونبوناتزي 1462 - 1525م وهو من أشهر أساتذة بادوفا في ذلك العصر ، وكانت جامعتها رشدية خالصة وقد تبنى هذا فكرة الحقيقة المزدوجة فأصدر كتابًا أنكر فيه خلود النفس ، ثم أعلن خضوعه لتعاليم الدين في الخلود ، وكاد أن يُعدم حرقًا ولكنه نجا بحماية أحد الكرادلة له (4) .

(1) انظر: إرنست رينان ص 343 .

(2) انظر: زكي نجيب محمود"تجديد الفكر العربي ص 135 ، 136 دار الشروق - الطبعة التاسعة 1993 م ."

(3) انظر: علي حرب"نقد النص"- المركز الثقافي العربي ص 97 الطبعة الأولى 1993 - بيروت .

(4) انظر: يوسف كرم"تاريخ الفلسفة الحديثة ص 14 ورمسيس عوض"الإلحاد في الغرب ص 39 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت