البعث الذي يريده القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم - ليس هو البعث بعد الموت، وإنما هو البعث من عالم الطفولة والتخلف إلى عالم التقدم والوعي، البعث من الحياة الغريزية الطفولية الغائبة في ظلام الوعي إلى عالم العقل الحاضر في ضوء الصحوة واليقين . إن العرب أساءوا الفهم فحولوا الجدال إلى عالم الأموات، وتحدوا الرسول لكي يحيي أمامهم رجلًا ميتًا، ولو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يريد من العرب أن يؤمنوا بالبعث بعد الموت فقط لقبل هذا التحدي وسكت، لكن الرسول كان يدعو العرب إلى الإيمان بالبعث في هذه الحياة، بإعادة الوعي إلى جيل غائب عن عالم الوعي ((1) .
إن المرء لكي يكون مسلمًا لا يحتاج إلى الإيمان بالجن والملائكة، فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل (2) . ولا يحتاج للفرائض الشعائرية أو القبول الساذج للحياة الآخرة (3) .
""قد لا يكون البعث واقعة مادية تتحرك فيها الجبال وتخرج لها الأجساد بل يكون البعث هو بعث الحزب وبعث الأمة وبعث الروح فهو واقعة شعورية تمثل لحظة اليقظة في الحياة في مقابل لحظة الموت والسكون"" (4) ""إن أمور المعاد في نهاية الأمر ما هي إلا عالم بالتمني عندما يعجز الإنسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه القانون ويسوده العدل، لذلك تظهر باستمرار في فترات الاضطهاد وفي لحظات العجز وحين يسود الظلم ويعم القهر كتعويض عن عالم مثالي يأخذ فيه الإنسان حقه ... أمور المعاد في أحسن الأحوال تصوير فني يقوم به الخيال تعويضًا عن حرمان في الخبز أو الحرية، في القوت أو الكرامة."" (5)
(1) انظر: النيهوم"السابق"ص 106 ، 107 .
(2) انظر: حنفي"في فكرنا المعاصر"ص 93 .
(3) انظر: أركون ص 81 .
(4) د . حنفي"من العقيدة إلى الثورة"4 / 508 .وانظر أبو طالب حسنين"التأويل في مصر ص 374 ."
(5) د . حنفي"من العقيدة إلى الثورة"4 / 600 .