وقال الحافظ ابن كثير:"... ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما رُوي عن عكرمة فقد أبعد النُجعة، فإنّ نص القرآن أنّها في رمضان. والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إنّ الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى ) ) [1] فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص" [2]
وما أعظم أن يرغم العبد أنفه لربه تبارك وتعالى، بكثرة السجود، وكثرة الركوع، وطول القيام، لمناجاة الخالق جل جلاله، وقد كان السلف الصالح من هذه الأمة يطيلون صلاة الليل متأسين بنبيهم صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه وتتشقق من طول قيامه لله، ومناجاة لمولاه، قال تعالى:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا" [3] يقول السائب بن يزيد: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبي بن كعب، وتميمًا الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما ننصرف إلا في فروع الفجر"."
تحري ليلة القدر
ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، ويمكن التماسها في العشر الأواخر منه، وفي الأوتار خاصة، والصحيح أن ليلة القدر لا أحد يعرف لها يومًا محددًا، فهي ليلة متنقلة، فقد تكون في سنة ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في سنة ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في سنة ليلة تسع وعشرين، وقد تكون في سنة ليلة سبع وعشرين، ولقد أخفى الله تعالى علمها، حتى يجتهد الناس في طلبها، فيكثرون من الصلاة والقيام والدعاء في ليالي العشر من رمضان رجاء إدراكها، وهي مثل الساعة المستجابة يوم الجمعة. يقول البغوي رحمه الله تعالى: وفي الجملة أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا بالعبادة في ليالي رمضان طمعًا في إدراكها.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى ليلة القدر، ويأمر أصحابه بتحريها، وكان يوقظ أهله في ليالي العشر الأواخر من رمضان رجاء أن يدركوا ليلة القدر، وكان يشد المئزر وذلك كناية عن جده واجتهاده عليه الصلاة والسلام في العبادة في تلك الليالي، واعتزاله النساء فيها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر" [4] ،و"
(1) . رواه الطبري في تفسيره (22/ 10) والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 422 - 423) .
(2) . تفسير ابن كثير (4/ 138) .
(3) . الأحزاب
(4) . رواه البخاري (2024) ومسلم (2/ 832) .