قال أحد رواة الحديث:"فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن" [1] .
وكان بعد إذا سُئل يقول:"شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد".
فتأمل، كيف أن هذا الرجل لم يعرف لسعد بن أبي وقاص أنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بلاءه وجهاده في الإسلام، ولا أنه من أهل الجنة، ولا شيئًا من ذلك؛ إنما بهته بذكر مثالب ومعايب هي في الواقع كذب وافتراء.
حكم هذا النوع من النقد:
ولا شك أن النقد بهذا المعنى محرم؛ لأنه نوع من الغيبة، والله عز وجل يقول: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) [الحجرات?12] ، وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتدرون ما الغيبة؟"قالوا:"الله ورسوله أعلم"، فقال:"ذكرك أخاك بما يكره"، قيل:"أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟"، قال:"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه" [2] .
وقد ذكر القرطبي رحمه الله إجماع العلماء على أن الغيبة من كبائر الذنوب، فإما أن تكون غيبة بهذا الاعتبار، وذلك كالذين يبحثون عن عيوب الناس ومثالبهم، ويفترضون أن هذه العيوب والمثالب موجودة فيهم، فإن كانوا أبرياء مما وصفوهم به فهي بهتان وظلم، والله سبحانه وتعالى لا يهدي القوم الظالمين، يقول عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذر:"يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" [3] أي: لا يظلم بعضكم بعضًا!
(1) أخرجه البخاري (755) واللفظ له، ومسلم (453) من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه مسلم (2589) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.