فقد شكا أهل الكوفة سعدًا -وكان واليًا عليهم- إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه عمر فقال له:"يا أبا إسحق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي"، قال سعد رضي الله عنه:"أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أَخْرِم [1] عنها، أصلي العشاء فأَرْكُد [2] في الأُوليين، وأُخِف في الأُخريين"قال عمر:"ذاك الظن بك يا أبا إسحق".
لكن عمر رضي الله عنه لم يكتف بمجرد قناعته الشخصية بسعد بن أبي وقاص؛ لأنه أمام شكوى من الشعب، فلابد أن يتثبت من هذه الشكوى بروح المحايدة والعدل والإنصاف؛ لأن سعدًا طرف وخصم، وأهل الكوفة طرف وخصم آخر، فأرسل عمر رضي الله عنه لجنة لتقصِّي الحقائق، وتذهب هذه اللجنة لا لتسأل أعيان البلد أو خواصهم، الذين يفترض أن الأمير قد يدنيهم إليه، وقد يكسب رضاهم بأي وسيلة وبأي ثمن، لا؛ بل تذهب هذه اللجنة لتقف في المساجد والأسواق، ويقولون لأهل المساجد: ماذا تقولون في أميركم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؟
فكلما ذكروه في مسجد أثنوا عليه خيرًا، حتى جاؤوا مسجدًا من مساجد بني عبس، فقالوا:"ما تقولون في أميركم سعد بن أبي وقاص؟"فأثنوا عليه خيرًا، فقام رجل يقال له أسامة بن قتادة فقال:"أما إذ نشدتنا، فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية"! يعني وصفه بالجبن والظلم والحيف -والعياذ بالله-!! فغضب سعد بن أبي وقاص من ذلك أشد الغضب؛ لأنه يعلم أن هذا الرجل كاذب، فقام وقال:"أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن".
(1) أَخرِم: أنقص.
(2) أَركُد: أطيل.