فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 45

ولذلك نقول: إن الأمة اليوم لازالت تعدُّ النقد نوعًا من الاستفزاز أو حطًَّا للمكانة، فلم يتعود الناس على هذا ولم تتعود آذانهم عليه؛ ولهذا صاروا يشمئزون منه ويستغربونه ويرونه شيئًا عظيمًا!

الأخطاء الظاهرة تنقد علانية:

هل كتب على المسلمين وحدهم أن يظلوا في مثل هذه الحال، ليس لديهم قدرة على تصحيح أخطائهم ولا على اكتشافها؟! وهل كتب علينا أن نظل نواجه هذه الأخطاء، وهي تتراكم وتزداد يومًا بعد يوم.

ومع ذلك تجد أحدنا لا يفعل شيئًا، لكنه لو سمع إنسانًا ينصح غيره قال: يا أخي لماذا تفعل كذا؟ ولماذا لم تأت بالنصيحة بالطريقة الفلانية؟ ونحن بدورنا نقول له: مارس أنت من النصيحة ما تقتنع أنه صحيح؛ لأن النصيحة مسؤولية الجميع وليست مسؤولية فرد معين أو فئة معينة! وكأن الكثيرين ظنوا أن الدين لم يأت بهذه الأمور، وكأنهم نسوا أن الصحابة رضي الله عنهم كان بعضهم يستدرك على بعض، وبعضهم يصحح لبعض علانية إذا كان الأمر يقتضي الإعلان، وسرًّا إذا كان الأمر يقتضي الإسرار.

ولاشك أن النقد أحيانًا يحتاج إلى سرية، فلا تأتي إنسانًا مستترًا بذنب فتفضحه على الملأ، لكن إذا كان الخطأ معلنًا على رؤوس الأشهاد فله شأن آخر.

ولنتأمل في هذا الموقف، الذي قصه أنس رضي الله عنه، قال: ٍ"مرّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وجبت"، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال:"وجبت". فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال:"هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" [1] ."

فالأخطاء المشهورة التي يتداولها الناس في أحاديثهم، ويتناقلونها فيما بينهم، لا وجه لأن يقال لمن ينكرها علانية: لا تتحدث فيها لأن ذلك يؤدي إلى نشرها؛ وذلك لأنها موجودة أصلًا والجميع يعرفها.

(1) أخرجه البخاري (11367) ، ومسلم (949) من حديث أنس رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت