وإذا غاب هذا المعنى عن الحاكم في بعض الظروف، وفي بعض الأحوال، وهيمنت النظم الاستبدادية المتسلطة التي تكتم أنفاس المسلمين، وتمنعهم من أن يقولوا كلمة الحق، وتمنعهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن النقد الهادف البناء؛ لأنها لا تريد كشف الحقائق، ولا مصارحة الشعوب بالأمور وأبعادها وخلفياتها ومجرياتها، إذا غاب هذا عن الحكام في حقبة من حقب التاريخ، أو رقعة من الواقع الموجود اليوم؛ فإن هذا لم يكن ليغيب عن العلماء والدعاة؛ بل كان العلماء والدعاة ينصح بعضهم بعضًا، وينصحون عامة المسلمين؛ بل وينصحون حكام المسلمين -وإن لقوا في سبيل ذلك ما يلقون-، ولو شرعنا في ذكر مواقف من نصيحة العلماء بعضهم لبعض، أو نصيحتهم للمسلمين من العامة، أو نصيحتهم للحكام سرًّا وعلانية -سواء من خلال المخاطبة، أو من خلال الخطبة، أو من خلال الكتاب- لخرجنا عن مقصود هذه الرسالة، ونحيل على كتاب واحد فقط، وهو كتاب:"الإسلام بين العلماء والحكام"للشيخ عبد العزيز البدري، ففيه من ذلك شيء كثير.
أما اليوم فنقول - وبكل أسف: إن عيوب الأمة الإسلامية اليوم ليست محصورة في طبقة معينة. فلا نخدع أنفسنا! لنقول إن العيب اليوم في الحاكم، أو العيب في العالم، أو ليس في الداعية! ولكن العيب موجود في الجميع بدون استثناء، من القمة إلى القاعدة.
فداء التسلط وسلب الحريات، ليس موجودًا في الحاكم فقط، ولكنه أيضًا موجود عند بعض العلماء والدعاة والمجتهدين، من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
فتجد أن المعلم مثلًا يستثقل أن يصحح الطالب له خطأ، وتجد الداعية يستغرب أن يصحح أحد الأتباع عليه شيئًا وقع فيه، ولا يعطيه من الحرية إلا هامشًا صغيرًا جدًّا، هو نفسه الهامش الذي تعطيه الحكومات لبعض الشعوب.