يقول ابن أبي مليكة:"أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل" [1] . هؤلاء هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وسار من بعدهم التابعون لهم بإحسان.
فهذا محمد بن واسع -وقد مدحه الناس، وأثنوا عليه وهو مريض- قال:"ما يغني عني ما يقوله الناس إذا أخذ بيدي ورجلي، فألقيت في النار؟!" [2] .
إذن مدح الناس وثناؤهم، والضجيج الإعلامي حول فلان من العلماء، أو فلان من المسؤولين، أو مدح الناس لفلان لأنه مشهور أو معروف؛ هذا لا يغني عنه شيئًا، إذا كان ما بينه وبين الله غير مستقيم، أما إذا كان ما بينه وبين الله حسن، فلا يضره أن يكون الناس بخلاف ذلك:
فليتَ الذي بيني وبيَنك عامرٌ
وبيني وبينَ العالمين خرابُ
إذا صحَّ منكَ الودُ فالكلُّ هينٌ
وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ
-فوائد محاسبة النفس علانية:
وقد يحاسب الإنسان نفسه سرًّا بينه وبين نفسه فيعاتبها ويوبخها، وهذا لا شك أنه أبعد عن الرياء، وهو يدعو الإنسان إلى أن يتواضع، ويعترف بالخطأ، ويراجع نفسه أولًا بأول، وقد يحاسبها علانية على ملأ من الناس وعلى مرأى ومسمع منهم.
وهذا له إيجابيات ومنافع كثيرة منها:
-أولًا: أنه يعترف بهذا الخطأ لئلا يتابع عليه، وهذا إن كان خطأ مشهورًا معروفًا متداولًا عند الناس، فيعلن أنه رجع عنه، أو تاب منه؛ لئلا يتابعه الناس عليه، كأن يكون صاحب بدعة تاب منها فيقول للناس: من كان يعرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا فلان بن فلان، كنت أقول: كذا وكذا، والآن تبت. من مثل ما قاله أبو الحسن الأشعري في خطبته المعروفة.
(1) أخرجه البخاري في الصحيح تعليقًا (1/ 26) ، وأخرجه متصلًا في التاريخ الكبير (5/ 137) في ترجمة عبد الله بن أبي مليكة، وكذلك أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (688) .
(2) صفة الصفوة (3/ 271) وأخرجه أبو نعيم في الحلية بنحوه (2/ 348) .