إذن ينبغي على الإنسان أن يبدأ بنقد نفسه قبل غيره، وكذلك الفئة والجماعة والطائفة والأمة والدولة عليها أن تنتقد نفسها قبل أن تترك فرصة لينتقدها الآخرون، أو تترك فرصة لاستفحال الأخطاء والأمراض والآفات والمنكرات، بحيث يصعب بعد ذلك تصحيحها أو استدراكها.
ورضي الله عن سلف هذه الأمة الكرام، كيف كانوا في صدق عبوديتهم لله عز وجل، وخالص إيمانهم، وحرارة تقواهم، وصفاء قلوبهم -ومع ذلك كله- لم يكن هناك أحد أكثر منهم محاسبة لنفسه، وإننا نجد اليوم من الناس من يكون والغًا في المعاصي والفسوق، ومع ذلك لو أنكر عليه لقال: أنا أفعل هذا؟!
أما هم، فمع صيام النهار، وقيام الليل، وصدق التعبد، وحرارة التقوى -مع ذلك- كانوا لا يعدون أنفسهم من الصالحين؛ بل يعدون أنفسهم من العصاة.
يقول مطرف بن عبد الله رضي الله عنه في يوم عرفة -وهو من عباد السلف وزهادهم-:"اللهم لا تردهم من أجلي"! [1] رأى الحُجاج وما هم فيه من البكاء والابتهال؛ فأنحى على نفسه، وخشي أن يُردّ الحجاج بسببه هو، فقال ما قال.
ومثله بكر بن عبد الله المزني يقول:"ما أشرفه من مقام وأرجاه لأجله، لولا أني فيهم" [2] !
ويونس بن عبيد رضي الله عنه يقول:"والله، إني لأعد مئة خصلة من خصال الخير، ما أعلم في نفسي واحدة منها" [3] ! فلم يكن عندهم كبرياء، ولا غطرسة، ولا غرور.
(1) صفة الصفوة (3/ 248) .
(2) صفة الصفوة (3/ 248) .
(3) حلية الأولياء (3/ 18) ، وتهذيب الكمال (32/ 524) في ترجمة يونس بن عبيد.