وكذلك لما رأى ابن عباس معاوية يستلم أركان البيت كلها ويقول:"ليس شيء من البيت مهجورًا"، انتقده ابن عباس علانية - وذلك معاوية يطوف بالبيت، وعن يساره عبد الله بن عباس، فطفق معاوية يستلم أركان الكعبة كلها، فقال له ابن عباس:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم هذين الركنين"، فقال معاوية:"دعني منك يا ابن عباس، فإنه ليس منها شيء مهجور"فطفق ابن عباس لا يزيده، كلما وضع يده على شيء من الركنين قال له ذلك [1] ، ولم ير معاوية أن في ذلك حطًّا من قدره، ولا بخسًا لمكانته، كما لم ير ابن عباس أن مكانة معاوية تمنع من أن يُؤمر بالمعروف، ويُنهى عن المنكر.
ثالثًا: محاسبة النفس:
وكذلك مما يدخل في باب النقد محاسبة النفس، فإن الإنسان قد ينتقد نفسه دون أن يحتاج إلى غيره، وكذلك الجماعة قد تنتقد نفسها؛ بل الدول قد تنتقد نفسها، وتجعل هناك مؤسسات وأجهزة مهمتها المراقبة، والمراجعة، والتصحيح، على سبيل الحقيقة؛ لا على سبيل التغطية أو التمويه.
قد نجد في كثير من الدول مؤسسات للإشراف، أو المراقبة؛ لكن مهمة هذه المؤسسات تكون شكلية، وهذا لا ينبغي؛ بل على الدولة في الإسلام أن تقيم مؤسسات وأجهزة نزيهة حرة، تقوم بالمراجعة والتصحيح على الكبير والصغير، والأمير والمأمور، دون أن تجد في ذلك حرجًا؛ بل هذا هو عين الكمال، وعين القوة والصواب. فالفرد والجماعة والدولة والأمة كلها بحاجة إلى أن تحاسب وتراقب نفسها.
(1) أخرجه أحمد عن أبي الطفيل (2210) ، والبيهقي في الكبرى بنحوه (9023) ، وأورده الهيثمي في المجمع (3/ 240) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.