الوهم ليس قادحا في جميع الأحوال:
إن راوي الحديث ممن وصف بالوهم إذا روى حديثا حكمه متعلق بفقهه، لم يضر الرواية وهمه العام، فإن العادة تغلب على الذاكرة، لكن إذا كان الحديث يتعلق بخبر لا يتعلق بفقهه، فالوهم هنا يصير جرحا مضعفا للحديث.
وهذا أمر معهود في غالب الناس يتعبد أحدهم بعبادة ينسى كيف تعلمها، ويحافظ عليها طول عمره، حتى إذا سئل عن دليلها بهت عنه، لبعد عهده به، وإنما طول التكرار جعله لا ينسى كيفية أدائها كما هوالحال في كثير من الشيوخ والعجائز.
والرواة الذين اختلطوا بأخرة لم نعلم عنهم أنهم اختلطوا في وضوئهم وصلاتهم، وغير ذلك مما هومن فقههم وعادتهم مع العلم أن الاختلاط أشد من الوهم.
وحديث شريك هذا مما يتعلق بفقهه، وهومسلم يؤدي خمس صلوات في اليوم ناهيك عن النوافل، ولابد له من الإهواء إلى السجود.
فإن قيل: وما الدليل على أن هذا الحديث من فقهه؟
قلنا: نقل الحازمي في"الاعتبار"عن ابن المنذر أن الإهواء على الركب ذهب إليه أهل الكوفة، وشريك كوفي مثله مثل سفيان الثوري، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وأبي حنيفة وغيرهم.
وقد سكن الكوفة من الصحابة عبد الله بن مسعود، ووائل بن حجر وثبت عنهم الإهواء على الركب، وسكنها علي، وصح عنه النهوض على صدور القدمين.
قال الدار مي في"السنن":"أهل الكوفة يختارون الأول [أي: الإهواء على الركب] ."
إن الرواي إذا وصف بأنه يهم أويغلط، كان ذلك وصفا لبعض مرويا ته، وليس لجميعها وإلا أسقطوه بالكلية.
وإنما بتتبع أحاديثه يعلم في أيّها وهم، وبما مر عليك من تحقيق فإن شريكا لم يهم في هذا الحديث، فليكن الوهم في أحاديث أخر.
ومما يؤيد هذه القاعدة وهومثال صالح عليها أن الثقات رووا حديث ترك الجمعة واتفقوا في رواياتهم على أن من ترك ثلاث جمعات فقد جعل الإسلام وراء ظهره، بينما روى شريك أربع جمعات.
فهذا الخطأ من شريك في أمر لا يتعلق بفقهه العملي لأنه من باب الأخبار التي يحفظها الراوي ثم لا يعود إليها بالتحديث إلا حينا بعد حين، بينما ما يتعلق بفقهه العملي كالصلاة والصيام والطهارة وغيرها يرجع إليه على الدوام.
ومع ذلك فإننا قد وجدنا لشريك كثيرا من الأحاديث التي هي من قسم الأخبار وقد ضبطها وأداها بألفاظها، منها:
1 ـ حديث أبي هريرة:"إذا استهل المولود ورّث"
رواه أبوداود من طريق محمد بن إسحاق، وعنه رواه البيهقي، ورواه ابن ماجة عن جابر من طريق أبي الزبير، ومن طريق سعيد بن المسيب.
وأخرجه ابن عدي من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عنه به، وفيه زيادة"صلى عليه وورث"التي جاءت كذلك في طريق أبي الزبير.
فهذا الحديث قد ضبطه شريك ولم يخالف فيه الثقات.
2 ـ حديث"أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"
أخرجه أبوداود والترمذي والدار مي والخرائطي في"مكارم الأخلاق"، والدار قطني والحاكم من طريق طلق بن غنام عن شريك.
فهذا الحديث قرن فيه شريك وقيس بن الربيع فهوصحيح.
ثم أخرجه أبوداود من طريق يوسف بن ماهك المكي، وورد من طريق أخرى عند أحمد والدار قطني، والطبراني والحاكم وابن السكن صحح بعض طرقه.
3 ـ حديث:"من ولاه الله عز وجل شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره".
أخرجه أحمد والطبراني في"الكبير"، قال عنه المنذري:"جيد"، وقال الهيثمي في"الجمع":"رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات".
فهذا الحديث ورد من عدة طرق تبين من خلالها أن شريكا ضبطه، وتوبع عليه، وأشهرها طريق علي بن الحكم عند الترمذي والحاكم وأحمد.
وجاء كذلك من طريق القاسم بن مخيمرة أخرجه أبوداود والترمذي، وابن سعد في"الطبقات"، والحاكم والبيهقي وابن عساكر في"تاريخ دمشق".
4 ـ حديث:"إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة"، وفي رواية:"أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة"
جاء من طريق شريك عن عياش العامري عن الأسود بن يزيد، أخرجه أحمد والطبراني في"الكبير"، فهذه متابعة لشريك.
5 ـ ومنها حديث:"خير التابعين رجل يقال له: أويس".
هذا الحديث رواه مسلم، عن وابن مسعود، والعقيلي في"الضعفاء"والحاكم عن سعيد الحريري عن أبي نضرة عن أسيد بن جابر.
ورواه الحاكم من طريق شريك عن يزيد بن أبي زياد.
6 ـ حديث:"بادروا بالأعمال فصالا ستا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، ونشوا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم."
أخرجه أحمد، وأبوعبيد في"فضائل القرآن"، وأبوعزرة الحافظ في"مسند عباس"وابن أبي الدنيا في"العقوبات"، والطبراني في"الكبير"عن شريك عن أبي اليقظان عن زاذان عن عليم.