وأخرجه أبوعمر الداني في"الفتن"والطبراني، وأخرجه البخاري في"التاريخ الكبير"معلقا من وجهين، ورواه الطبراني وابن شاهين من طريق موسى الجهني.
وللحديث طرق أخرى يعتضد بعضها ببعض، وقد صححها الحافظ في ترجمة الحكم من"الإصابة".
7 ـ حديث:"أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء".
أخرجه النسائي، وابن نصر في"الصلاة"وابن أبي عاصم في"الأوائل"، والطبراني في"الكبير"، والقضاعي في"مسند الشهاب"عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله.
وشطر الحديث الثاني في الصحيحين، والنسائي، وابن أبي عاصم وغيرهم من طرق أخرى، وكذلك رواه ابن أبي الدنيا في"الأهوال"، والبيهقي في"شعب الإيمان"واحمد وغيرهم.
والشطر الأول له شواهد من حديث أبي هريرة وتميم الداري عند أبي داود، والطبراني للشطر للثاني.
فهذه الأحاديث التي رواها شريك ثبت منها أنه لم يهم فيها ولم يخطىء، ولذلك قال عنه الأوائل:"ثقة، وصدوق"
ولما قال فضل الصائغ:"إن شريكا حدث بواسط بأحاديث بواطيل"قال له أبوزرعة:"لا تقل بواطيل""الجرح والتعديل"لا بن أبي حاتم {4/367} .
قال عيسى بن يونس:"ما رأيت أحد قط أورع في علمه من شريك" { المصدر السابق} .
فمن كانت هذه صفته، وكان فقيها، قاضيا، ثبتا عاقلا شديدا على أهل البدع، قديم السماع من شيوخه، لا يهم في حديث هومن فقهه.
ذكر ابن رجب في"شرح العلل" {ص:373} :"أن الفقهاء المعتنون بالرأي [ فقه لقياس والتفريع واستخراج العلل] لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ويروون المتون بالمعنى."
روى شريك حديث أنس"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد"، فرواه:"أنه كان يتوضأ برطلين من ماء".
قال ابن رجب:"والمد عند أهل الكوفة رطلان".
فهذا الحديث الذي رواه شريك بالمعنى لم يخرجه عن القصد الشرعي، لأنه كان من الفقهاء، الذين ربما لم يتقيدوا بالألفاظ ولكنهم يتقيدون بالمعاني والمقاصد.
وشريك ـ رحمه الله ـ كان ممن جمع بين الفقه والحديث.
وبهذا التفصيل وبالذي سيليه نقول: إن ما كان من غالب أئمة الحديث [ سأذكر قائمتهم فيما بعد] من قبول هذا الحديث والاحتجاج به، لم يكن عن قلة دراية بأحوال رواته، وإنما التحقيق العلمي الدقيق، والبحث الطويل هوالذي أوجب عليهم اعتماده كدليل.
وهاهنا قاعدة هامة يجب ملاحظتها وقد ذكرها الحافظ في"النكت"عندما قال:"إن الترمذي ذكر في"الجامع"كتاب الحكام أنه سأل البخاري عن حديث شريك القاضي عن أبي إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ قال:إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته"."
وهومن أفراد شريك عن أبي إسحاق، فقال البخاري:"هوحديث حسن".
قال ابن حجر:"وتفرد شريك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحاق مع كثرة الرواة عن أبي إسحاق مما يوجب التوقف عن الاحتجاج به، لكنه اعتضد بما رواه الترمذي من طريق عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع ـ رضي الله عنه ـ فوصفه بالحسن لهذا.""النكت" {429/1}
فهاهنا ثلاثة أمور نبهنا إليها الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ:
الأول:التفريق بين أصول الحديث بقوله:"بمثل هذا الأصل"، فقد ينفرد الراوي بحديث يوافق أصلا معروفا عند المسلمين، أوالعمل عليه وهذا لا يضر، وقد يكون ما انفرد به يخالف الأصول المعروفة أوالأحاديث الثابتة، وهاهنا يجب التوقف عن الاحتجاج به.
الثاني: النظر في حال المنفرد والمنفرد عنه إن كان الرواة عنه كثرة، فهذا مسلك للشك في تفرده، وبالتالي التوقف فيه { انظر معتمد الشيخ ناصر في المسألة} .
الثالث:إن الانفراد من شريك في رواية هذا الحديث الذي حسنه البخاري لم يضره، وهذا يوافق ما قلناه عنه سابقا عند قول الدار قطني عن شريك:"إنه ليس بالقوي فيما انفرد به"، وأن ذلك نسبي، وخير دليل على ذلك هذا الحديث.
وقد يقال: إن مقصود البخاري من قوله:"هوحديث حسن"أن الحديث غريب، أي:إنهم يطلقون كلمة"حسن"على الحديث الغريب.
فأقول: لقد فهم الترمذي من شيخه البخاري ـ وهوالذي باشر الكلام معه ـ أنه قصد الحسن المعروف وليس الغرابة، كما فهم الفهم نفسه ابن رجب في"شرح العلل"والحافظ ابن حجر في"النكت"
وجواب الترمذي للبخاري لا يفهم منه ما ذهب إليه الأفاضل، فإن الترمذي قال:"هومن أفراد شريك"ومعروف عند المحدثين معنى التفرد، فكان جواب البخاري:"هوحديث حسن"على الترمذي بأنه رغم تفرده فهوحسن، هذا ما يحتمله سياق الكلام، هذا أولا.
ثانيا: قال الذهبي في"الموقضة" {ص:32} :"ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسن، وعليه عبارات المتقدمين، فإنهم يقولون فيما صح:"هذا حديث حسن"".
قال ابن حجر:"قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هوأقدم من الشافعي، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي ومنهم من لا يريده" {النكت} {ص397/1} .