فنقول: ما يمنع أن تكون رواية شريك حديثا آخر غير حديث زائدة، وقد علمت أن الثقات من رجال الصحيح قد خالفوا زائدة، ولم يكن ذلك طعنا في رواياتهم، ذلك انه كثيرا ما يحصل أن يروي الشيخ لرجل مالا يرويه لآخر، للاختلاف طرق التحمل ومدته.
مثل ذلك رواية الموطأ عن مالك بلغت إلى عشرين رواية، تختلف فيما بينها إلى حوالي مائتي حديث، وقد سبق وأن أوضحنا أن الرواة في طبقة شريك سماعهم من أبي إسحاق لم يكن في مجلس واحد.
فلوأننا علمنا أن زائدة استوعب أحاديث عاصم ـ كما هوالشأن في رواة آخرين عن شيوخ آخرين ـ لسلم للشيخ الأمر، ولقلنا معه: إن شريكا قد خالف من هوأوثق منه.
يوضحه: أن زائدة قد ذكر الحديث بأتم من شريك ـ كما قال الشيخ ـ ولم يذكر الإهواء سواء على اليدين أوعلى الركب، فلوأنه ذكر مثلا الإهواء على اليدين، وقد ذكر شريك الإهواء على الركب، لقلنا: قد خالف شريك من هوأوثق منه.
وعليه، يجب التفريق بين أنواع الزيادات، فمنها الزيادة المخالفة المعارضة للمزيد عليه، ومنها الزيادة التي لا تعارض المزيد عليه، بل هي من قبيل زيادة البيان حسب المقتضى،:"فإذا انفرد العدل الصادق عن سائر الثقات بزيادة لا تنافي المزيد عليه قبلت، وهوقول الشافعي وجماعة من الفقهاء، وقيّد ذلك الإمام أحمد بأن لا يترك الجمهور هذه الزيادة"المسودة" {ص:299} ."
وفي مسألتنا هذه، زيادة شريك لا تعارض روايات باقي الرواة، فتثبت ما نفوا، أوتنفي ما أثبتوا، فإنه لا ينسب لساكت قول كما قال الشافعي.
كما أنها زيادة لم يردها جمهور المحدثين والفقهاء، وأكثر أصحاب الكتب في الحديث قبلوها، وقد تبين أن مجلس سماع الرواة في طبقة شريك كان مختلفا متعددا في الزمان والمكان.
وهنا ملاحظة يجب ذكرها: وهي إن ما انفرد به الراوي الصادق إذا كان معمولا به في عهد الصحابة وكبار التابعين، أومرويا من جهات أخرى بما يوافقه أويشهد عليه، قبل من انفرد به هذا الراوي وعلم أن له أصلا قويا.
ووصف مثل هذا الحديث بالشذوذ أوالنكارة لا يضره بل لا يصح، لأن بتداوله عملا وقولا عند الصحابة والتابعين لا يكون إلا محكما أومنسوخا، لا يحتمل احتمالا آخر، فلا يعقل أن نقول عما صح عن الصحابة والتابعين أنه شاذ أومنكر.
والحديث بتداوله عند الصحابة والتابعين كعمل يصبح مشهورا، ولأسباب خفية وملابسات الرواية اعترضت سنده علل بالنظر فيما قلناه سابقا يتبين أنها علل إضافية ليست أصلية فيه، ولذلك فإن أحاديث المنفردين يشترط فيها أن لا تخالف الأحاديث المشهورة، أوالإجماع، أوعمل جمهور الصحابة.
كما أن فقه الراوي وعلمه بالخلاف عامل قوي في قبول ما انفرد به.
ويمكن الجواب من وجه آخر يدل على أن شريكا قد ضبط الحديث عن عاصم، وهوما نقله البغدادي في"تاريخ بغداد" {682/9} ، والذهبي في"ميزان الاعتدال" {270/2} :"قال سعدوية:إنه سمع عبد الله بن المبارك يقول:"شريك أعلم بحديث الكوفيين من سفيان [ الثوري] ""
وفي"تهذيب الكمال" {470/12} عن وكيع أنه قال:"لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك".
وهذه شهادة من إمامين عظيمين لا يخرج الكلام منهما إلا مخرج الحكم، لانهما في سياق المقارنة، وهما أعلم بهذه الطبقة ممن جاء بعدهم.
ومثل شريك في هذا الباب إسماعيل بن عياش، عن أهل الشام وثقوه وفي غيرهم ضعفوه.
ولذلك يجب أن نقول: إن ترجمة أمثال شريك يجب أن تكون على ضوء شيوخهم وبمتابعة طرق حديثهم.
قال ابن رجب في"شرح العلل" {ص:92} :"اعلم أن الرواة أقسام: فمنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من غلب على حديثه المناكير لغفلته وسوء حفظه، وقسم ثالث:أهل صدق وحفظ ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أويقل، هؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقسم رابع: هم أيضا أهل صدق وحفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا، لكن ليس هوالغالب عليهم، وهذا القسم الذي ذكره الترمذي هاهنا".
فهذه الطبقة وإن كان ترك الحديث عنهم مثل:يحي القطان، فقد حدث عنهم ابن المبارك، وابن مهدي، ووكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي وأكثر أهل الحديث على أمور ضبطوها وقرائن اشترطوها.""
ووجه آخر للجواب يمكن التعويل عليه:
إن الأحاديث الكثيرة التي رواها وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ واصفا فيها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بدقة متناهية، وفي بعضها أنه كان يترقب صلاته، تستلزم ضرورة وصفه لكيفية الإهواء إلى السجود، وهي من أكبر حركات الصلاة للانتقال المصلي من حالة القيام إلى حالة القعود، وقد نقل رضي الله عنه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أمورا هي أدق وأخفى من الإهواء، وجاء من طريقه عدة أحاديث في الباب، وإن كان المعارض يدعي تعليلها إلا أن ذلك قرينة أخرى على ضرورة وصفه الإهواء إلى السجود، فكان دليلا آخر على أن شريكا لم يخالف من هوأوثق منه.