الصفحة 2 من 7

وتفرد شريك من القسم الثاني، فمن سمع أكثر من أقرانه وكان أقدم سماعا منهم، فلا بد وانه قد سمع مالم يسمعوه.

وعليه، وباعتبار المتابعات والشواهد، وفتاوى الصحابة والتابعين يظهر أن سبب تفرد شريك كثرة الحفظ، وقدم السماع.

فهذا التحليل مما لا يجب إهماله عند التعرض لأحاديث المنفردين، وبخاصة إذا علمنا أن في تلك العصور القديمة كان الانفراد دليل قدم الطلب وسعته.

ثم إن التفرد يصير علة قادحة إذا خالف المنفرد من هوأوثق منه، وهذا الذي حاول الشيخ ناصر تقريره عندما نقل قول يزيد بن هارون:"إن شريكا لم يروعن عاصم غير هذا الحديث".

وأيده بقوله في"الإرواء" {76/3} :"إن شريكا خالف غيره من الثقات والحفاظ مثل زائدة بن قدامة".

قلت: لكن الثقات الضباط قد خالفوا هم ـأيضاـ زائدة، فرووا الحديث بخلاف روايته، بألفاظ متقاربة وأحيانا متباينة، كما يظهر من مجموع طرق الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ

ولا يمكن الطعن فيهم كلهم، وفيهم رجال الصحيح: سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وهمام بن يحي، وهشام الدستوائي وغيرهم، فلزم أن شريكا لم يخالف زائدة لوحده.

فإن قيل: إن مجموع روايات الحديث المتفرقة ضمها حديث زائدة إلا رواية شريك ؟

قلنا: أولا: زائدة روى ما رووا على انفراد، فروى بالنسبة لكل واحد منهم مالم يرو، وأصل الحديث عن وائل بن حجر واحد، إلا انه قطع فروي كل واحد منهم جزءا.

والذي يظهر من مجموع طرق الحديث، أن الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ قسمه الرواة عنه بحسب الموضوع الفقهي، لذلك يعد كل قسم أوقطعة منه حديثا بحد ذاته.

وهذا العمل قد فعله جمهور المحدثين، وذكره الإمام مسلم في"مقدمة صحيحه" {124/1} .

فالتعارض يكون إذا كان المجلس واحدا، وإلا فتعد الوجوه المختلفة طرقا مستقلة.

ذكر ابن رجب في"شرح علل الترمذي" { ص:292} عن يحي بن معين أنه قال:"شريك أحب إلي في أبي إسحاق من إسرائيل وهوأقدم"

وقرن مرة أخرى بينه وبين أبي عوانة في أبي إسحاق.

ونقل جماعة عن الإمام أحمد تقديم شريك على إسرائيل في أبي إسحاق، وقال:"إنه أضبط عنه، وأقدم سماعا".

وعبد الرحمان بن مهدي:"رجح إسرائيل على الثوري وشعبة".

قال العجلي:"ويقال: إن شريكا أقدم سماعا منهم".

قال يحي بن معين:"وهويروي عن قوم لم يروعنهم سفيان [ يعني الثوري] "نفس المصدر السابق والصفحة"."

فتبين من هذه النقول أن سماع هؤلاء الأئمة من أبي إسحاق السبيعي لم يكن واحدا، وأبوإسحاق السبيعي هوالذي ذكر فيما رواه عنه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه رأي أصحاب عبد الله بن مسعود يهوون على الركب، ولفظه:"كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم""المصنف" {624/1} .

وعليه يمكن القول: إن سماع شعبة، وسفيان، وهشام، وهمام، وإسرائيل، وزائدة وغيرهم لم يكن في وقت واحد، وشريك أقدم سماعا منهم في أبي إسحاق، وأعلمهم برواياته كما شهد له بذلك الأئمة الفحول في الحديث.

ولذلك نقول: وصف الرواة وصفا عاما جائز فيمن اتفقوا على تركه، أما من ضعفوه ولم يتركوه، واعتبروا بحديثه فيلزم ترجمته بالتقيّد بمشيخته، فمن الرواة من تكلموا فيه عموما، وهومن أثبت الناس في شيخه، أوفي أهل بلده، ومنهم من وثقوه وهوضعيف في بعض الشيوخ، أوقد يكون مقبولا في المغازي أوالتفسير ضعيفا في غيرها.

فتقسيم المحدثين للرواة إلى طبقات باعتبار الشيوخ له فائدة معرفة التفرد والمخالفة، لأن ملابسات الرواية والسماع قد تظهر من صيغ التحمل والأداء، ولكنها في الغالب تظهر بمقابلة الطرق وجمعها إلى بعضها البعض.

ذلك أنه قد ثبت عند المحدثين أن يعضا من الصحابة رووا أجزاء من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها آخرون كاملة، وذلك كأن يحضر في آخر المجلس، أويشغله أمر من طلب طهارة أودابة فلتت منه ـ كما حصل لعمران بن حصين ـ أولإجابة سائل أومتسول وغيرها من أمور تدفع بالسامع إلى التشاغل عن الراوي.

وكذلك الرواة الثقات قد ينسوا زيادة في حديث ويحفظها من هودونهم في الإتقان ويرويها، وهذا راجع للأسباب المذكورة.

وقد لا يعرف السامع أن الشيخ في مجلس فتوى أومذاكرة، وان الحديث الذي أرسله متصل السند، فيأخذ هذا السامع الحديث على أن الشيخ أرسله.

ولذلك فإن عرض سند مثل هذا الحديث على بقية الطرق، ومعرفة أحوال المجلس إن كان واحدا أومتعددا، وعرض المتن على النقد الفقهي والأصولي كفيل بتبيان هذه الأوجه.

ومن جهة أخرى: يمكن أن نقول: كلام يزيد بن هارون قد يفسر لصالح شريك لا عليه، .

فإن من وصف بالوهم والخطأ من الرواة العدول، قد يكون وهمهم في السند، كما قد يكون في المتن، والوهم في السند يقتضي أن يصحف أويقلب، ومقولة يزيد مما ينفي عن شريك هذا الضرب من الوهم، فلم يبق إلا الوهم في المتن، وهوالذي قصد الشيخ الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت