وتمتاز تلك المسائل التي يذكرها العلماء في مصنفاتهم من النوازل، تتباين من جهة القوة؛ بإلحاق الفروع بالأصول، ويَرْجع ذلك إلى مَلَكَةِ ذلك العالِم وإحاطته بالأصول؛ بأصول الديانة وأصول الاستدلال التي أمر الله - عز وجل - بالرجوع إليها؛ فقد شرع الله - عز وجل - الاعتبار، وسَنَّ - سبحانه وتعالى - القياس، وأمر بلزومه؛ فقال الله - جل وعلا-: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } ؛ أي: ألحقوا ما لم يَرِدْ فيه نَصٌّّ بما ورد فيه نصٌّ من شريعة الله - سبحانه وتعالى - ؛ لهذا كان الله - جل وعلا - في كتابه العظيم في مجمل الأحوال يتكلم عن أصول وحجج أهل الباطل؛ من جهة العموم؛ من غير ذكرٍ لتفاصيلها.
والناظر فيها من أهل العلم والدراية ينظر إلى تلك الأصول، ثم يلحق أهل الضَّلال وأهل الابتداع في تلك الأصول؛ فيردَّ عليها كما رد عليها أولئك؛ مع تَنوُّع الابتداع، وكذلك تنوُّع الرادّ واختلاف الزمان؛ لهذا كان القرآن لما كان يَسْري على تلك الأصول كان أعظم حُجَّةً على سائر الأمم على تباين أحوالهم.
ولو نزل القرآن بأسماء المسائل والنوازل التي كانت في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكان مَنْ جاء بعد ذلك يعوزه النظر ويجد مشقةً عظيمةً في أن يستنبط من تلك الفروع إلحاقًا بأصولها، ثم يُلْحق بعد ذلك تلك الفروع بأصولها، وهذا يلزم منه مشقَّةً كبيرة، وكذلك يطرأ على الإنسان من الضعف والقصور ما يطرأ عليه.
ومن نظر إلى أحوال النوازل على مَرِّ العصور يجد تباينًا في كلام العلماء واختلافًا في الترجيح كثيرًا؛ لا يكاد يوجَدُ في المسائل المنصوصِ عليها من جهة الدليل في الكتاب والسُّنَّة.